بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري. إظهار كافة الرسائل

2014-07-04

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -7-


نتابع: الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -7-
بداية سقوط المشروع الصهيوني
إن سقوط معادلة "قوّة الظالم؛ وضعف المظلوم" يعني ببساطة سقوط المشروع الذي قام عليها أساساً. وقد ترافق سقوط أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يُقهر مع تفاقم أزمة النظام الرأسمالي العالمي، الحليف العضويّ والحيويّ للمشروع الصهيوني، بما يؤثّر سلباً على قدرة قوى الاستكبار على مساعدة الكيان وإنقاذه من أزمته البنيوية العميقة.
وكما ساهم انتصار وتقدّم المشروع الاستعماري لقوى الاستكبار، في انتصار وتقدّم الكيان الصهيوني؛ فإن أزمة ذلك المشروع تعني بالضرورة تفاقم أزمة الكيان، الذي تأسس فوق أرض فلسطين كقاعدةٍ متقدّمة، لها دورٌ وظيفي محدّد ومعروف!
لقد اعتقد العديد من المفكّرين وأصحاب الرأي بأن انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية سيؤدّي إلى نهاية التاريخ والى الانتصار النهائي للنظام الرأسمالي العالمي. وتالياً، لا خيار أما العرب والمسلمين إلاّ الإعتراف النهائي بالكيان الصهيوني. ولم يلتفت هؤلاء إلى تأثير انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وبداية انطلاق مارد الإسلام الثوري؛ وما لذلك من أثرٍ سلبيٍ هائلٍ على الإمبريالية وحليفتها الصهيونية. كذلك لم يلتفت البعض إلى عمق تناقضات وإشكالات النظام الرأسمالي؛ خاصّة بعد أن تحوّلت قاطرة هذا النظام "الولايات المتحدة "، إلى إمبراطوريةٍ طفيليةٍ لا تستطيع الاستمرار في وضعها الاستهلاكي المترف إلاّ عبر زيادة الضغوط على الشعوب، والاستمرار في نهب ثرواتها وإفقار أبنائها؛ فنصّبت نفسها كـ "شرطي أزعر" يريد أن يتحكّم بالعالم عبر القوّة العارية. فهي تُدين وتُحاصر وتُهاجم دولاً وشعوباً، وتَفرض الأتاوات على دولٍ وشعوبٍ أخرى، لتسدّد العجز الماليّ الهائل في موازنتها. هذا الواقع المُرّ، وضع الشعوب المستضعفة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إمّا الخضوع المطلق لمشيئة الولايات المتحدة؛ وإمّا المقاومة. صحيحٌ أن هناك من اختار الخضوع للولايات المتحدة وجبروتها. ولكن هناك أيضاً من اختار المقاومة؛ ونحن نشهد اليوم اتساعاً متزايداً لمساحات فعل المقاومة وحالات الممانعة في جهات الأرض الأربع، وصولاً لما كان يُطلق عليه الحديقة الخلفية للولايات المتحدة (أمريكا الجنوبية والوسطى). وهذا يؤشّر إلى انفتاح الآفاق الواسعة أمام تعديل الخلل الفادح في موازين القوى لصالح الشعوب المستضعفة، وإلى إحكام الخناق على الاستكبار العالمي وربيبته الحركة الصهيونية. وقد كان لهذه التطوّرات الأثر الكبير على القوى التي تواجه المشروع العنصري فوق أرض فلسطين ومحيطها المباشر، وخاصّة في لبنان. فتطوّرت هذه القوى على كلّ المستويات، وتجذّرت وأنجزت الكثير في مواجهة المشروع الصهيوني.
هذا الواقع المستجدّ، وضع مجمل الأساطير المؤسسة للمشروع الصهيوني في مهبّ الرّيح؛ كما دخلت ركائزه الفكرية العنصرية في خضمّ أزمةٍ بنيويةٍ شاملة.
فالكيان الصهيوني لم يعد قادراً على الحفاظ على تفوّقه النوعي، وبدأ يعيش في قلب الأزمة البنيوية التي تلفّ النظام الاستكباري برمّته. فلم يعُد الإستكبار قادراً على تقديم الدعم والحماية الكاملة للكيان الصهيوني، ولا الكيان بات قادراً على القيام بدوره الوظيفي في إخضاع الشعوب العربية والإسلامية لمشيئته ورغباته وأطماعه.
هذه التطوّرات والتفاعلات دفعت بالكثير من الخبراء وأصحاب الرأي للاستنتاج بأفول نجم المشروع الصهيوني وقُرب نهاية الكيان. يقول المؤرّخ والخبير في شؤون الأمن القومي الصهيوني د.تشيلو روزنبرغ: "يظهر أن إحدى أهمّ أساطير دولة إسرائيل قد بلغت الآن مرحلة أزمة. والدولة -حسب رأيه- التي لا تحيا على أساطير مؤسسة ليس في وسعها الاستمرار في الوجود".
إن سقوط أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، أدّى إلى انكشاف كذب وخداع بقيّة الأساطير المؤسسة للكيان. وقد تجلّى هذا في: - تفاقم أزمة الهوية داخل الكيان - إنكشاف عنصرية المشروع الصهيوني - تفاقم عزلة الكيان وطرح شرعيّة وجوده على المستوى الدولي - سقوط أوهام التسوية العادلة مع الكيان الصهيوني.
كيف تعمل الحركة الصهيونية لتجاوز أزمتها وإنقاذ الكيان الصهيوني؟
تطوّرات الصراع في المنطقة، وتنامي دور قوى المقاومــة، وانكشـاف الوجـه
العنصري للصهيونية، وسقوط أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، كلّها عوامل وضعت الكيان الصهيوني في مأزقٍ إستراتيجيٍ بنيوي، بعد أن أضحى عاجزاً عن الحرب، وغير قادرٍ على السلام. والحركة الصهيونية التي تتأثّر، كإطارٍ وكدور، بكلّ ما يحدث في الكيان، تفاعلت بشكلٍ سريعٍ مع أوضاعه المستجدّة.
لكنّ جلّ الصهاينة داخل فلسطين المحتلة يعتقدون أن بالإمكان التغلّب على بعض مظاهر الأزمة عبر بعض الإجراءات التقنية؛ وهذا ما أشار إليه مركز "ريئوت " للأبحاث الذي أوصي وفق التقريرالذي نشرته (أ.ف.ب) وأوردناه سابقاً بـ"استخدام السفارات في الخارج لإيجاد شبكاتٍ تضمّ أناساً قادرين على الردّ على الهجمات، حيث تتركّز الأوساط الأكثر معاداة لإسرائيل، وخصوصاً في مدريد وتورنتو وسان فرانسيسكو وجامعة بيركلي (كاليفورنيا)".
كما يدعو "إلى دراسة الوسائل التي تستخدمها هذه الأوساط، وإلى التعاون مع المنظّمات أو الأفراد الذين يوجّهون انتقاداً مشروعاً ضدّ إسرائيل، بدلاً من تجاهلهم أو استبعادهم"! ورداً على سؤالٍ للإذاعة الإسرائيلية بشأن التقرير، إعتبر رئيس الوكالة اليهودية المكلّفة شؤون هجرة يهود الشتات إلى الكيان، ناتان شارانسكي أن "معاداة السامية في القرن الحادي والعشرين هي معاداة الصهيونية". وأضاف:"إن إسرائيل تواجه حملة عالمية ترمي إلى نزع الشرعية عنها. إنها حربٌ حقيقيةٌ تهدّد مصالحنا الاستراتيجية،؛ وينبغي الردّ على كلّ ضربةٍ بضربة".
لكنّ أوساط الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا تشهد تفاعلاتٍ حادّة ورؤىً متمايزة لكيفية الخروج من هذه الأزمة.
وقد عبّر الكاتب الأميركي الصهيوني "لينارد فين" مؤسّس مجلّة "اللحظة"، عن هذا التفاعل في مقالٍ بعنوان:"هناك شبحٌ يخيّم على إسرائيل إسمه غولدستون"، حيث يقول: "لستُ متأكّداً ممّا يعنيه سحب الشرعية عن إسرائيل. هل يعني ذلك أن منتقدي إسرائيل يسعون لإزالة الدولة اليهودية؟ ببساطة، هناك من يفعلون ذلك. إلاّ أن الغالبيّة الكبرى من هؤلاء الذين ينتقدون إسرائيل بشكلٍ متزايد (وهنا أفكّر بالذات بالاتحاد الأوروبي) لا يحلمون حتّى بإنهاء الدولة اليهودية. الواقع هو العكس تماماً. فهم ينادون، وبشكلٍ أكثر إلحاحاً، بتطبيق حلّ الدولتين. والواقع أن حلّ الدولتين هو الأسلوب الوحيد لضمان بقاء الدولة اليهودية"...فكرة حلّ الدولتين لا تطرح أيّ تساؤلٍ حول شرعية إسرائيل كدولةٍ يهودية. بالعكس تماماً؛ فأيّ إنسان ينادي بحلّ الدولتين بشكلٍ ضمنيٍ إنما يعترف ويقبل بشرعية الدولية اليهودية وقابليّتها للبقاء.
هؤلاء الذين يثرثرون حول حلّ الدولة الواحدة هم الذين يرفضون شرعية إسرائيل. أتباع حلّ الدولة الواحدة هم اليوم في تصاعد. هناك هؤلاء الذين يقولون أننا قد تعدّينا نقطة اللارجوع، وبأن حلّ الدولتين لم يعد ممكناً. ويقول آخرون أن منتصف الليل، رغم اقترابه، ما زال يمكن تجنّبه...وهذا لا يعني أن حلّ الدولتين يوفّر حلاً خالياً من المشاكل للنزاع. كلّ ما نعرفه بالتأكيد أنه في غياب حلّ الدولتين، سوف تنتهي الدولة اليهودية؛ بينما ستكون هناك، مع حلّ الدولتين، مشاكل جديدة معقّدة، واحتمالات تهديداتٍ جديدةٍ وخطيرة. ليس من الصّعب اختيار ناحيةٍ سلبيةٍ لوضعٍ يتّجه إلى الكارثة بشكلٍ مؤكّد. نحن لا نملك الشجاعة لدمج الانتقاد، بل وعدم الصبر مع سحب الشرعية. من هناك؟ صديقٌ أم عدوّ؟ إذا كنتَ مع حلّ الدولتين، وبالتالي قبول الدولة اليهودية، فأنت صديقي*.
ومؤخّراً، تشكّلت في الولايات المتحدة منظمة " J. Street"، كمنظمةٍ يهوديةٍ ناشئة، تمثّل ما سمّي "صوت الإعتدال اليهودي في الولايات المتحدة "؛ وهي تعارض سياسة حكومة نتنياهو المدعومة من منظمة "إيباك" المتشدّدة. كذلك تشكّلت في فرنسا منظمة "J.Call"، وهي هيئة يهودية أوروبية ضاغطة انطلقت من "نداء يهودي أوروبي من أجل العقل" ومن عريضةٍ أطلِقت على شبكة الإنترنت، وأعلِن عن تشكيلها رسمياً في بروكسل في الثالث من أيار/مايو الماضي. وقد أعلن مسؤولو تلك المنظمات أن تشكيلاتهم تطمح للعب دورٍ في الدفاع عن "إسرائيل" التي يشعرون أن وجودها في "خطر". مصدره ليس فقط "أعداء الخارج"، بل "الاحتلال الإسرائيلي والاستمرار غير المنقطع للاستيطان في الضفة الغربية والأحياء العربية في القدس الشرقية"؛ وهم يرون ذلك بمثابة "خطأ سياسي"، لا بل "غلطة أخلاقية"؛ فضلاً عن أنه يعزّز مسعى نزع الشرعية عن دولة "إسرائيل". ويؤكّد هؤلاء أن مستقبل إسرائيل "يمرّ بالضرورة في إقامة دولة فلسطينية" كترجمةٍ لمبدأ "شعبان ودولتان". وإلاّ، فإن أمام إسرائيل أحد خيارين: إمّا أن يتحوّل اليهود إلى أقلّيةٍ في بلدهم، أو أن "يقوم نظامٌ مخزٍ يُفضي إلى حربٍ أهلية".
وتدعو تلك المنظمات الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي إلى "ممارسة الضغوط" على الطرفين، والدّفع باتجاه حلٍ سريع، مع التذكير بـ"مسؤوليات الولايات المتحدة وأوروبا" في هذه المنطقة الحسّاسة من العالم.
وقد جاء هذا الحراك اليهودي متوائماً مع حراك الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما، والتي ترى بأن المسألة الفلسطينية تشكّل أهمّ العناصر المؤثّرة في الشرق الأوسط، وأن حلّها يساعد كثيراً المشاريع الأمريكية؛ كما جاء على لسان رئيس الأركان الأمريكي السابق مايكل مولن حين قال: "تسوية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي تشكّل مصلحة أمريكية... خصوصاًً للجيش الأمريكي العامل في العراق وأفغانستان".
مضافاً إليه تأكيدٌ لخليفته ديفيد باتريوس في حديثٍ له أمام الكونغرس، من خلال صرخته المدوّية "إسرائيل أصبحت عبءً على الولايات المتحدة"
هذا التحوّل دفع بالكاتب توماس فريدمان، الكاتب اليهودي المعروف، إلى نصح (إسرائيل) بعدم إغلاق الباب أمام أيّ حراكٍ أمريكيٍ جادٍ نحو السلام، يؤمن به الجيش الأميركي ووكالة الإستخبارات الأمريكية، لقناعةٍ مفادها بأن الصراع الفلسطيني الصهيوني صار مشكلة الشرق في وجه أمريكا.
إذاً؛ المطروح حالياً على الكيان الصهيوني ليخرج من أزمته هو "تسوية تقوم على حلّ الدولتين"، تمكّن الولايات المتحدة من صياغة تحالفاتٍ تابعة، يكون بعض النظام العربي جزءً منها إلى جانب الكيان، لمواجهة الأخطار المحدِقة بالمصالح الأمريكية، كما بالمشروع الصهيوني، والمتمثّلة اليوم ب: إيران، سوريا، حزب الله، فلسطينيّي48، وفصائل المقاومة الفلسطينية.
لكن، هذه التسوية المطروحة منذ زمن، والتي عجزت عن تحقيقها الحكومات الصهيونية التي قيل عن بعضها بأنها حكومات "يسار وإعتدال"، هل يمكن أن يحقّقها الكيان بعد أن باتت بُنيته السياسية والاجتماعية اليوم أكثر تطرّفاً وعنصرية.
إن أيّة تسوية تظلّ محكومة بموازين القوى الموضوعية وبتوازن القوى داخل أطراف الأزمة التي يراد إشراكها في حلّها.
فمقابل من يدعو لتسويةٍ تستفيد من حال الهوان والتخاذل الرسمي العربي والفلسطيني، هناك من يرى ضرورة الاستفادة من حال الضعف والهوان العربي والفلسطيني لمواصلة الاستيطان وإكمال تهويد القدس، وإعاقة عملية التسوية، والتحريض على شنّ الحرب ضدّ إيران، والعمل من أجل استكمال إقامة دولةٍ يهودية، عنصرية، واستعمارية في فلسطين.
إن أقصى ما يمكن أن يُقدِم عليه الكيان في ظلّ التوازنات الراهنة هو اللجوء إلى التكتيك المعروف: "خطوةٌ إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام". فهو نفّذ خطّة "فكّ الارتباط" مع قطاع غزة، والذي تحوّل إلى أكبر سجنٍ مفتوح في العالم، يتحكّم العدوّ بحدوده البرّية والبحرية والجوّية وبمصادر المياه والطاقة فيه، وذلك بهدف التخلّص من خزّان المقاومة في القطاع والاستفراد بالقدس والضفة الغربية بما تمثّلانه على صعيد الميثيالوجيا اليهودية؛ ومن ثمّ كانت الخطوات المتسارعة لتهويد القدس وجدار العزل والضمّ في الضفة الغربية، الأمر الذي مكّن الكيان من سرقة أحواضها المائية والسيطرة على سلّتها الغذائية، وتقطيع أوصالها وتحويلها إلى معازل مطوّقةٍ من كافّة الجهات.
ولكن، ماذا يريد الصهاينة اليوم بالضبط، وما هو حجم الخطوة إلى "الوراء" التي بدؤوا بها ؟ كلّ الوقائع على الأرض، وما يمكن الاستدلال عليه من خلال ما يُنشر من وثائق لمؤتمراتٍ صهيونيةٍ أو مراكز أبحاث وصناعة فكر، تؤشّر إلى أن الحكومة الصهيونية، وبالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، تدفع باتجاه الإعلان عن "دولة فلسطينية" في مدن وبلدات الضفة الغربية المحاصرة بجدار العزل والضمّ من جهة الغرب، وبسلسلة مستعمرات "غور الأردن" من جهة الشرق، مع فصل شمالها عن جنوبها بفعل مستعمرة معاليه أدوميم الموسّعة، وتقطيع أوصالها بفعل شبكة الطرق الطولية والعرضية المقامة في قلبها (الضفة الغربية). وقبل كلّ ذلك، عزل الضفة عن القدس؛ على أن ينضمّ إليها "قطاع غزة" إسمياً، مع "معالجة" وضعه بالتعاون مع النظام المصري!
أمّا القضايا الأساسية، فتحلّ عبر صيغةٍ مبتكرةٍ تتمثّل في الإتفاق على إطارٍ ما لحلّها، ينفّذ بالتدريج وعلى مراحل. وهذا يعني أن تأجيل المفاوضات حول تلك القضايا الرئيسية (الوضع النهائي) يعني حصرها فيما سيتمّ من مفاوضاتٍ مستقبلاً بين "دولتين"، على توسيع صلاحيات "الدولة الوليدة". والتقدّم في هذا الملفّ سيصبح رهناً بقدرة رئاسة "الدولة" الفلسطينية وحكومتها وأجهزتها على تصريف شؤون الدولة، وعلى ضمان أمن الدولة "الجارة"!
وهذا كلّه ليس معناه في قلب الشاعر، بل في ما يصرّح به القادة الصهاينة والمسؤولون الأمريكيون جهاراً نهاراً، حول وقف مقاومة الشعب الفلسطيني، وإنهاء مرحلة التحرّر الوطني، مع التفرّغ لتحسين شؤون سكّان "الدولة الفلسطينية العتيدة"، الأمر الذي يعني سقوط القضية الجوهرية التي من أجلها انطلقت حركة التحرّر الوطني الفلسطيني المعاصرة؛ أي قضية العودة الشاملة للمقتلعين الفلسطينيين، والتي على حلّها يتوقّف الحكم على محمود عبّاس "أبو مازن"؛ يقول ناتان شارانسكي في ردّه على سؤالٍ لمجلّة "نيوزويك" بتاريخ 18/1/2005 حول انتخاب "أبو مازن" رئيساً للسلطة الفلسطينية:
"إن هذه الانتخابات هي حدثٌ معزول، ولا علاقة لها بالديموقراطية، وتعتمد على ما سيحدث بعد الانتخابات... أريد أن أرى ما سيقوم به أبو مازن في قضية اللاجئين. حين يقوم ببناء مساكن جديدةٍ لهم... إذا ما نُقِل اللاجئون في خان يونس للعيش في غوش قطيف (مستعمرة في غزة تمّ إخلاؤها)، فإنهم سينسون المفاتيح التي ما زالوا يحملونها لمنازلهم في منطقة 1948... إذا قاموا بذلك، فعلينا أن ندعمهم بخطّة مارشال جديدة وكل شيءٍ آخر. وخلال سنتين أو ثلاث سنوات، سيتغير كلّ شيء".
أما القضية المفصليّة الأخرى بالنسبة للكيان الصهيوني، وهي القضية الأمنية، فقد عُقِدت من أجلها الكثير من المؤتمرات وحلقات البحث. والسيناريو المرجّح هو الاستعانة بقوّاتٍ غربيّة لتطبيق أيّ اتفاقٍ محتملٍ مع السلطة. في حزيران عام 2003، كتب "مارتن إنديك" مقالاً في مجلة "Foreign Affairs" الصّادرة عن مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، تحدّث فيه عن ضرورة فرض وصايةٍ دوليةٍ على الفلسطينيين بقيادة الولايات المتحدة، مع إشراك كلٍ من بريطانيا وأستراليا وكندا.
وفي 16 تموز 2003، عقِدت ندوة في مركز سابان -معهد بروكنغز، أكّدت على ذات الفكرة، كمخرجٍ يؤدّي إلى ضبط المقاومة الفلسطينية وحماية أمن الكيان الصهيوني!
وهنا السؤال الكبير: على ماذا تراهن الدوائر الصهيونية والأمريكية، كي تنجح في أن تفرض على الشعب الفلسطيني هذه التسوية/التصفية (المفترضة)؟
قبل النتائج الكارثيّة التي ترتّبت على هزيمة الجيش الصهيوني خلال عدواني تمّوز 2006 على لبنان و2008/2009 على غزة، كانت مراهنة تلك الدوائر تنطلق من الرّؤية التي عبّر عنها قادة الكيان في خطبهم ومحاضراتهم التي قدّموها خلال مؤتمر هرتزيليا الرابع الذي انعقد في منتصف كانون الأوّل 2004، حيث "كانت رسائل كلّ الخطباء، متشابهة: إسرائيل قويّة، الفلسطينيون أيتام، السوريون معزولون، والعالم معنا".
أمّا اليوم، فأعداؤنا يراهنون على العرب والفلسطينيين خصوصاً، المهزومين في أعماقهم، والذين تعميهم عصبيّاتهم الجاهلية الإثنية، وأُطرهم الطائفية والمذهبية، عن رؤية ترابط قضايا العرب والمسلمين، والإنطلاق من حقيقة كون فلسطين هي القضية المركزية للعرب والمسلمين الصادقين المخلِصين. فلا مستقبل لفلسطين بدون عمقها ومحيطها العربي والإسلامي؛ كما لا مستقبل لنا ولمستضعفي الأرض بدون هزيمة المشروع الصهيوني العنصري فوق أرض فلسطين.
إن تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرّد قضيةٍ حياتية-اجتماعية لأناسٍ مظلومين، وتقزيم الصراع مع المشروع الصهيوني باعتباره مجرّد مسألةٍ أمنيةٍ يمكن حلّها بالأساليب الفنية، لا يمكن أن يشكّل (مهما تعاظمت الضغوط وتعدّدت أشكالها) أكثر من مسكّنٍ قد يحقّق الاستقرار النسبي لفترةٍ محدّدةٍ من الزمن، لا يلبث أن يزول مفعوله لتتفجّر الأمور مجدّداً، وبشكلٍ أكثر عنفاً.
وهذا ليس لأن الفلسطينيين، كما العرب والمسلمين، يرفضون السلام. فالعكس تماماً هو الصحيح. ولكن، لأن جلّ ما قدّمه قادة المشروع الصهيوني من "تنازلاتٍ" للفلسطينيين لم يتجاوز حتى اللحظة، ما تحدّث عنه ديفيد بن غوريون في جلسة كتلة (المباي) في الكنيست بتاريخ 15 كانون الثاني (يناير) 1951، حول حقوقٍ "لغير اليهود (الفلسطينيين)، لا تعدو حقوق أقلّيةٍ تعيش في أرض "إسرائيل"، وليست حقوقاً على أرض "إسرائيل"
ويردّد القادة الصهاينة اليوم في تصريحاتٍ متواترة: "إن خيار التفاوض مع "إسرائيل" هو الخيار الوحيد، وأنه ليس أمام الفلسطينيين إلاّ التخلّي عن كلّ طموحاتهم، وطرْق باب السلام مع "إسرائيل"، "الدولة الأقوى في الشرق الأوسط"..!
وهنا أتذكّر ما كان يردّده العالم الموسوعي، المرحوم عبد الوهاب المسيري: "إن أهمّ ما يميّز دولة إسرائيل هو اعتمادها المطلق على عاملين خارجيّين: دعم الغرب وضعف العرب. إن مشكلة إسرائيل الحقيقية هي تصديقها لأوهام بقاء الدّعم الغربي ودوام الضعف العربي. وهي عوامل لسوء حظّ إسرائيل مؤقّتة من الناحية التاريخية؛ ولا يوجد أيّ أساسٍ علمي أو تاريخيٍ يسند عكس هذا الواقع".

خلاصة
إن استمرار المراهنات العربية والفلسطينية على إمكانيّة تحقيق "تسوية" نهائية مع الكيان الصهيوني، تعطي الشعب الفلسطيني الحدّ الأدنى المتّفق عليه (دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، عاصمتها القدس الشرقية، وضمان حقّ عودة اللاجئين) لا يعدو أكثر من تعميةٍ مقصودةٍ على البصائر والأبصار.
فقوى الاستكبار والاحتلال لا تفهم إلاّ لغة القوّة؛ وهي لا تتراجع إلاّ تحت ضربات مقاومة الشعوب والكلفة الباهظة، في جنودها وفي ميزانيّاتها العسكرية.
يقول المفكّر وعالم الاجتماع السياسي الأمريكي "كارل دويتش":
"إن التحوّل الداخلي للقوى الإمبريالية يمكن أن يحدث بسبب زيادة التكلفة... ويضرب مثلاً حرب التحرير الجزائرية، حيث يصف كيف حدث تحوّلٌ داخليٌ في فرنسا بحلول مؤسسات ونخب الجمهورية الخامسة، وبوجهٍ خاصٍ الرئيس ديغول وحزبه، محلّ مؤسسات الجمهورية الرابعة ونخبها...".
وعليه، فإن مفتاح التسوية أو الحلّ واضح... لكي نصل إلى هكذا تسويةٍ أو حلٍ لقضية فلسطين، لا بدّ وأن يحدث تحوّلٌ داخليٌ في طرفي الصراع. وإذا لم يحدث هذا التحوّل اختياراً، فإن حدوثه ممكنٌ على سبيل الإجبار؛ وذلك بزيادة تكلفة الاحتلال حتى تصل إلى الحدّ الذي يُفرض فيه التحوّل فرضاً على هذه السياسات. ومفتاح زيادة التكلفة هو المقاومة... و"إسرائيل" لم تقدّم يوماً تنازلاً واحداً إلاّ بعد إعمالٍ للقوّة ضدّها... "فقط، فقدان أرواحٍ يهوديةٍ عديدةٍ في حرب... يجعل تصوّر تراجع "إسرائيلي" ممكناً، لأنه يبرّر اعتماد قُدسية الحياة اليهودية واعتبار المحافظة عليها أهمّ من أيّ اعتبارٍ آخر" .
ومن القضايا التي تؤكّد إستمرار صلف وعنجهيّة القادة الصهاينة، الإصرار على فرض القبول الفلسطيني الرسمي بكيانهم ك"دولة يهودية"، الأمر الذي يلغي حقّ عودة اللاجئين، ويمسّ بشكلٍ خطيرٍ بمستقبل فلسطينيّي 48. فهذا التسليم الفلسطيني (إن حصل) يضعهم أمام عمليةٍ دائمةٍ من الإقصاء والتهميش، بانتظار الفرصة السانحة لاقتلاعهم من ديارهم.
وهذا بدوره يؤدّي إلى الانكشاف النهائي للكيان الصهيوني ككيانٍ عنصريٍ مغلق "الغيتو/القلعة"، ليصل مأزقه إلى ذروته، بحيث نصبح أمام كيانٍ متصادمٍ مباشرة مع كلّ الشرائع السماوية والقِيم الإنسانية. الأمر الذي يؤشّر إلى أننا سنكون أمام نسخةٍ معدّلةٍ من تجربة سقوط نظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا. وكلّما كانت القوى والجهات العاملة من أجل فلسطين قادرة على صياغة وطرح حلٍ إنسانيٍ للصراع القائم فوق أرض فلسطين، في مواجهة المشروع العنصري الصهيوني، كلما قلّلت من زمن مسيرة العذاب الفلسطيني، وسرّعت في انهيار المشروع العنصري الصهيوني. ولا أدري أين الحكمة في تردّدنا حيال التبنّي الصريح والواضح لمشروع "دولة فلسطين الواحدة "كدولةٍ ديمقراطيةٍ تعدّديةٍ لكلّ أبنائها، يعيش فيها المسلم والمسيحي واليهودي جنباً إلى جنب، كما كان الحال قبل أن تحلّ مصيبة الصهيونية على أرض فلسطين المقدّسة.
والسلام عليكم
وليد محمّد علي/ المدير العام لمركز باحث للدراسات الفلسطينية والإستراتيجية

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -6-


نتابع: الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -6-
دور الجيش في المشروع الصهيوني
كان القادة المؤسّسون للكيان الصهيوني يراهنون على الجيش، كمؤسسةٍ صاهرةٍ للمكوّنات المتنافرة التي جلبتها الحركة الصهيونية من أرباع أصقاع الأرض. وقد استمدّ الجيش "مكانته" من دوره الدموي في تأسيس الكيان وقدرته على حمايته.. وأصبحت مقولة "إسرائيل ليست دولة لها جيشٌ يحميها، بل هناكٌ جيش له دولة " مقولة شائعة تتردّد على كلّ لسان. وقد كان هذا الدور للجيش واضحاً فيما كتبه مؤسس "الدولة" دافيد بن غوريون عند إعلان قيام الكيان: "من الآن فصاعداً، على اليهودي أن لا ينتظر التدخّل الإلهي لتحديد مصيره. بل عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية مثل الفانتوم والنابالم"..."الجيش الإسرائيلي هو خير من يفسّر التوراة".
وقد تمكّن هذا الجيش من الحفاظ على دوره المركزي في الكيان الصهيوني من خلال الصورة/الأسطورة التي رسمها لنفسه خلال الصراع فوق أرض فلسطين، ومحورها أنه "جيشٌ لا يُقهر". وهي تكرّست بعد انتصاره السريع والساحق على ثلاثة جيوشٍ عربيةٍ في حزيران عام 1967. وهكذا أصبحنا أمام أسطورةٍ جديدةٍ أضيفت إلى الأساطير المؤسسة للكيان؛ "أسطورة الجيش الذي لا يُقهر".
إلاّ أن تلك الصورة/الأسطورة للجيش الصهيوني بدأت بالاهتزاز منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، الأمر الذي بدأ ينعكس سلباً على الكيان، فانخفضت الهجرة إليه وازدادت الهجرة المعاكسة؛ كما قطعت العديد من الدول علاقاتها به. إلاّ أن الكيان تمكّن من استعادة جزءٍ من توازنه بعد عقد اتفاقية كامب ديفيد، وإخراج مصر من معادلة الصراع معه، في العام 1978.
لكنّ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني (قده)، والتطوّر السريع لحالة الإسلام الثوري، و ما حقّقه حزب الله في لبنان والمقاومة في فلسطين من انتصاراتٍ متراكمةٍ؛ أعاد طرح السؤال الكبير مجدّداً حول قدرات وإمكانيات الجيش الصهيوني؛ وهل ما زال الجيش الذي لا يُقهر!
قبيل عدوان تموز 2006 على لبنان، كتب رئيس هيئة أركان الجيش الصهيوني الأسبق، موشيه يعالون، مقالاً نُشِر في مجلّة "تخيلت" تحت عنوان "الجيش والرّوح الإسرائيلية"، حدّد فيه بوضوحٍ لا لُبس فيه أن "مناعة إسرائيل الاجتماعية منوطة، أكثر من أيّ شيء، ببقاء الجيش الإسرائيلي "جيش الشعب"؛ وأضاف:
((إن الخدمة في الجيش تشكّل فرصة ثمينة لتحقيق التقارب والألفة بين الأفراد من المجموعات السكّانية المختلفة. وهو ما يشكّل جانباً كبيراً من دور الجيش الإسرائيلي كـ "جيش الشعب". لكن، ومع الأسف الشديد، فإن هذا الدور أيضاً أضحى محور خلاف)). وقد وضِعت الخطط آنذاك، وكان التسلّح والتدريب المكثّفين بهدف تمكين الجيش الصهيوني من استعادة هيبته. إلاّ أن انتصار المقاومة في تموز 2006، وفشل العدوان الصهيوني على غزة، أسقطا نهائياً أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر".
وقد انكشف الكيان الصهيوني على حقيقته ككيانٍ عنصريٍ مجرم؛ الأمر الذي دفع بالقاضي الأممي غولدستون لإصدار تقريره الإتهامي بحقّ هذا الكيان الإرهابي، رغم أن غولدستون كان وإلى حينٍ قريبٍ يجاهر مفاخراً بصهيونيته.
يتبع

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -5-


نتابع: الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -5-
الكيان الصهيوني: أزمة شرعيّة ووجود
من المعروف أن آلة الدعاية ووسائل الإعلام الخاضعة لنفوذ الحركة الصهيونية كانت قد نجحت على مدى عقودٍ طويلةٍ في أن تصنع حول "إسرائيل" هالة مزيّفة، أبرزتها كدولةٍ صغيرةٍ مهدّدة باستمرار، ويحقّ لها أن تدافع عن نفسها في مواجهة أعداء يحيطون بها من كلّ جانب؛ وهي "واحةٌ للديموقراطية" في منطقةٍ لا تعرف سوى الاستبداد، و"دولة قانونٍ ومؤسسات" وسط عالمٍ تحرّكه الغرائز. لكن، ما كان بوسع هذا القناع الزّائف أن يصمد بعد انفضاح العنصرية الصهيونية وصلفها الموصوف في التعامل مع الأمم المتحدة وقراراتها، والذي تأسّس على مقولةٍ أرساها ديفيد بن غوريون بعد إعلان قيام الكيان مباشرة، عندما قال: "بلا أمم متحدة بلا بطيخ"، مضيفاً: "ليس مهمّاً ما يقوله الأغيار. المهمّ ما يفعله اليهود على الأرض". وهذه المقولة كانت ولا زالت الموجّه الأساسي للحكومات "الإسرائيلية" في توجّهاتها وممارساتها كافّة، وباختلاف أحزابها، الدينية منها والعلمانية.
لكن، ما زاد الطّين بلّة لناحية أزمة شرعية الكيان الصهيوني وبقائه، الفشل الذريع الذي مُنِي به المشروع الصهيوني في سعيه المحموم لاستكمال تهويد فلسطين وتزييف وعي الشعب الفلسطيني لطبيعة الصراع وتصفية مقاومته، وفرض السيطرة على الشعوب العربية والإسلامية. وهذا ما وضع الحركة الصهيونية العلمانية (بتيّاريها الرئيسيّين العمّالي والليكودي؛ وهي التي كانت قادرة على حشد طاقات جُلّ أتباع الديانة اليهودية، مع حشد التأييد الأوروبي والغربي لدولة "إسرائيل") في مأزقٍ خطير، بدأ يؤثّر على دور الصهيونية العلمانية لمصلحة الصهيونية الدينية. وخطورة المسألة لا تكمن في خشية الصهاينة العلمانيين على دورهم فحسب، بل خشيتهم على مستقبل الكيان ككلّ. فالصهيونية الدينية عاجزةٌ اليوم عن حشد طاقات أتباع الديانة اليهودية، كما عن كسب تأييد الرأي العام الغربي لمشروعها العنصري المختلّف. وفوق هذا، ستدفع النزعة العنصرية المتحجّرة -التي تتلبّس هذا التيّار دون أيّ تزييف أو تمويه- قطاعاتٍ متزايدة من الرأي العامّ العالمي للتراجع عن تأييدها للكيان الصهيوني؛ الأمر الذي سيؤثّر -ولو بعد حين- في موقف الدول الغربية، من الكيان نفسه.
إن كلّ الإنجازات أو المكاسب التي حققها الكيان العنصري منذ تأسيسه عام 1948، كانت بسبب نجاح الحركة الصهيونية في تضليل الرأي العام العالمي. وهو ما بدأ ينهار مع صور الجنود المدجّجين بالسلاح وهم يلاحقون أطفال فلسطين في شوارع القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، ويقومون بتكسير عظامهم أمام شاشات التلفاز؛ إلى الحصار الظالم لقطاع غزة، وبناء جدار العزل والضمّ في الضفة الغربية، مع رفض توصية محكمة العدل الدولية بشأنه؛ وصولاً إلى جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل خلال عدوان 2008/2009على قطاع غزة، و تقرير "غولدستون" الذي جرّم مؤسسات الكيان الصهيوني وقادته، والذي علّق على إثره الجنرال "أمير إيشل"، رئيس قسم التخطيط في جيش الاحتلال، بالقول: "لا تجوز الاستهانة بتقرير غولدستون. فالمعركة على الرأي العام العالمي لا تقلّ ضراوة عن المواجهة العسكرية"؛ مقرّاً في ذلك بأن "إسرائيل تواجه أزمة شرعيّة بعد عدوانها على غزة"، ومضيفاً: "إن مسألة شرعية إسرائيل مهمّة جداً، لأننا لا نعيش في فراغ" .
بتاريخ 12-2-2010، وزّعت وكالة (أ. ف. ب) تقريراً من فلسطين المحتلة تحت عنوان "حملة عالمية لنزع الشرعية عن إسرائيل"، جاء فيه: حذّر تقريرٌ صادرٌ عن معهد أبحاث "ريئوت" في تل أبيب (أوّل من أمس) حكومة بنيامين نتنياهو من أن إسرائيل تواجه حملة عالمية لنزع الشرعية عنها، داعياً إلى عدم تجاهل "الانتقادات المشروعة". وأضاف التقرير "إن تصوير إسرائيل على أنها شيطان (..) يرمي إلى إنكار شرعيّتها، وتقديمها على أنها كيانٌ استعماريٌ مرتبطٌ بممارساتٍ نازيةٍ وتمييزٍ عنصري". وندّد التقرير خصوصاً "بتظاهراتٍ مناهضةٍ لممثّلي إسرائيل في جامعاتٍ أجنبية، أو في الملاعب، وبدعواتٍ إلى مقاطعة منتجاتٍ مصنّعةٍ في إسرائيل، أو بمحاولاتٍ ترمي إلى اعتقال مسؤولين" في الدولة العبرية "وملاحقتهم أمام القضاء في الخارج". ويتّهم التقرير شبكة عالمية من أفرادٍ وجمعيّاتٍ ومنظّماتٍ غير حكوميةٍ موالية للفلسطينيين، عربية أو مسلمة، على علاقةٍ في غالب الأحيان مع اليسار "وقاسمها المشترك هو تقديم إسرائيل على أنها دولةٌ منبوذة وإنكار حقّها في الوجود"...
طبعاً، هناك من يحاول التهوين من الأسباب العميقة لتزايد الإتجاه العالمي لنزع الشرعية عن الكيان الصهيوني، وتصوير الأسباب وكأنها تتعلّق فقط بحكومةٍ متطرّفةٍ أو وزيرٍ عنصري، متغافلين عن الأسباب الحقيقية والمرتبطة بجوهر المشروع الصهيوني برمّته.
يقول "آري شافيت" في مقالٍ بعنوان "وزير نزع الشرعية"، إنه قد تشكّل في السنة الأخيرة "تحالفٌ واسعٌ من القوى الراديكالية استخدم حملة الرصاص المسكوب (أي العدوان على غزة) كي يُسوّد وجه إسرائيل. كما استغلّ الاحتلال كي ينزع الشرعية حتى عن إسرائيل السيادية. وقد حشر (إسرائيل) في الزاوية وجعلها دولة شبه منبوذة.
وجرّاء ذلك، فقد تضرّرت أعمال وأنشطة إسرائيلية (كثيرة)، وتآكلت قدرة "إسرائيل" على استخدام القوّة للدفاع عن نفسها، ووصلت فكرة الدولتين القوميّتين إلى شفا الانهيار". ويضيف الكاتب: "تحدّي نزع الشرعية كان التحدّي الوجودي الذي يستدعي تغييراً شاملاً في إسرائيل. وبعد نصف قرنٍ كان فيه التشديد الاستراتيجي عسكرياً، فإن عليه أن يعود لأن يكون سياسياً. على وزارة الخارجية أن تتبنّى فكرة عمل الموساد والشاباك، وتقود معركة سياسية إعلامية مركّبة وذكية لم نشهد لها مثيلاً منذ 1947.
ولكن، هنا ثمّة مشكلة: في قيادة "الخارجية" يقف اليوم وزيرٌ يشدّد أزمة الشرعية لإسرائيل. وزيرٌ لا يمكنه أن يعطي حلاً لمشكلةٍ هو جزءٌ منها. ليبرمان يخدم أولئك الذين يسعون إلى تصوير إسرائيل كدولةٍ عنصريةٍ ومجنونة" .
إلاّ أن الواقع يشير أن نزع الشرعية عن الكيان، وتحديداً أزمته الوجودية، هي أزمةٌ بنيويةٌ رافقت الكيان منذ تأسيسه. فقد ظلّ الكيان الصهيوني يخشى هاجس التهديد الوجودي، الأمر الذي انعكس في عقيدته العسكرية التي كانت تقضي بشنّ الحروب الدورية؛ لذا، هو سعى بإستمرار لامتلاك قوّة ردعٍ "مطلقة"، لكن سقوط هذه القدرة، جعل إسرائيل تواجه "تهديداً" خاصّاً، ألا وهو نزع الشرعية عنها. وهو تهديدٌ لا يمكن مواجهته بالسلاح، ولم يأت من دولٍ عدوّة، بل من عالمٍ غربيٍ طالما وقف إلى جانبها في كلّ الظروف.
ذاك الخطر الوجوديّ المحدِق بمستقبل الكيان الصهيوني، جرّاء استمرار المقاومة ورفض الاستسلام، بدأ بتلمّسه منذ عدّة عقود القائد المخضرم "ناحوم غولدمان" (والذي شغل أهمّ منصبين في الحركة الصهيونية العالمية: رئاسة منظمة الصهيونية العالمية ورئاسة "الوكالة اليهودية") في كتابه: "إسرائيل" إلى أين؟ الصادر في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
ويجب ألاّ يغيب عن أذهاننا أن الكيان الصهيوني، ورغم مرور أكثر من 62 عاماً على تأسيسه، كان ولا زال معتمداً على الدّعم اللامحدود من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعاني هي نفسها من إخفاقاتٍ عسكرية، ومن أزماتٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ حادّة.
فأمريكا التي كانت تنظر فيما مضى إلى الكيان الصهيوني كذخرٍ إستراتيجي، يمكنها استخدامه في "تأديب" شعوب المنطقة، وإخضاعها لسيطرتها، أصبحت ترى في هذا الكيان عبءً ثقيلاً يعيق خططها في المنطقة، كما صرّح مراراً الجنرال الأمريكي "بترايوس". كذلك، فإن الكيان الصهيوني الذي كان يرى في الولايات المتحدة "نبع" المساعدات الذي لا ينضب، وجد نفسه أمام أمريكا التي تعيش أزمة عميقة، لا أمريكا الواهبة كما كان في مشروع "مارشال" عقب الحرب العالمية الثانية. فأمريكا تحوّلت، ومنذ سنوات، إلى دولة "ناهبة" تقع تحت عجز يقدّر بآلاف مليارات الدولارات؛ الأمر الذي يعني أنها لم تعد قادرة على استمرار تحمّل الأعباء المالية الهائلة للكيان الصهيوني، بما يعني أن الكيان قد دخل فعلاً في دوّامة أزمةٍ بنيويةٍ حادّة تهدّد المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسّعي العنصري. وعلى الأطراف والقوى والدول المعادية لهذا المشروع بناء خططها واستراتيجيتها على هذا الأساس.
يتبع

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -4-

نتابع: الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -4-

الحرب والسّلم في الفكر الصهيوني
رغم أن "اتفاقية أوسلو" (1993) قَزّمت الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني إلى مستوياتٍ مهينة, ومكّنت الكيان الصهيوني من تحقيق الكثير من المكتسبات، إلاّ أن الكيان لم ينظر إليها إلاّ كوسيلةٍ مكّنته من إنجاز مرحلةٍ إضافيةٍ من مراحل مشروعه الاستراتيجي، للبدء بمرحلة جديدة؛ مرحلة المساومة على الأراضي التي احتُلّت عام 1967، والتي أصبحت ضمناً (بعد أوسلو) مجرّد أراضٍ متنازعٍ عليها يجري التفاوض لفضّ النزاع حولها، لا أراضٍ محتلّة يجب الانسحاب منها وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
هذا النموذج الانتهازي للموقف الصهيوني من التسوية لا ينطلق من اعتباراتٍ سياسيةٍ متحرّكة، بل من طبيعة المشروع الصهيوني التي تتناقض جذرياً مع إعطاء الفلسطينيين حقوقاً سيادية على أيّ جزءٍ من فلسطين. فالتجربة العينية أثبتت أن قادة المشروع الصهيوني ومنظّريه (قبل وبعد تأسيس الكيان) قد تعاملوا مع مشاريع التسوية بما يخدم هذا المشروع وأهدافه الاستراتيجية؛ وإن كان التنفيذ يجري على مراحل وفقاً لموازين القوى التي تُعزّز باستمرار. فقبل إعلان الكيان الصهيوني عام 1948، كان مطلب الصهاينة المعلن: الحقّ بالإقامة والعيش في فلسطين، وذلك لسببٍ بسيط؛ "دولتهم لم تأسّس بعد "، ولم يتمكّنوا بعد من عوامل القوّة اللازمة.
وقد توالت بعد ذلك الشروط الصهيونية عند طرح أيّ مشروعٍ للتسوية: من الهدنة الأولى ومفاوضات رودس وقراري الأمم المتحدة: 181 و194؛ إلى القرارين 242 و338 وعشرات القرارات الأخرى، وصولاً إلى اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووداي عربة وما تبعها من تفاهمات...
إن استراتيجية المشروع الصهيوني المتمثّلة في "إقامة دولةٍ يهوديةٍ صهيونية" فوق أرض فلسطين، لا يمكن أن تتحقّق إلاّ بتفريغ فلسطين من أهلها؛ سواء كان ذلك بالطّرد أو بالإبادة، أو بتحويل الشعب الفلسطيني إلى أقلّيةٍ تعمل في خدمة المشروع المذكور؛ ولتحقيق ذلك الهدف، جرى العمل على:
أوّلاً: التمكّن من عوامل القوّة العسكرية والمادّية، والحفاظ على توازنٍ استراتيجيٍ مختلٍ تماماً لمصلحة الكيان الصهيوني...
ثانياً: التصدّي الحازم لأيّ إرهاصاتٍ لبناء ركائز قوّةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ قد تشكّل خطراً مستقبلياً على المشروع الصهيوني؛ تارة عبر العمل العسكري المباشر، وطوراً عبر العمل الأمنيّ التآمري. وفي أحيانٍ كثيرة، عن طريق طرح بالونات لمشاريع "تسوية" تهدف إلى إرباك الطرف الآخر، وإدخاله في متاهات تفاوضٍ لا أُفق لها. وإذا لم يفلحوا في ذلك كلّه، يتمّ اللجوء إلى المقولة الاستعماريه التقليدية (فَرّق تسُد).
فالاستراتيجية الصهيونية كانت وما زالت تقوم على إجبار الفلسطينيين خاصّة، والعرب والمسلمين عامّة، على الاعتراف بالكيان الصهيوني والخضوع لأهدافه.. وفي الوقت الذي يتحدّث فيه الجميع عن الفرصة السانحة "للسلام"، لا يزال الكيان الصهيوني يعدّ للحرب عدّتها؛ فإضافة للترسانة العسكرية التي تُحدّث أوّلاً بأوّل بأفضل ما توصّلت إليه الصناعات العسكرية والتكنولوجية، يتمّ داخل الكيان مشروع له دلالاتٌ بالغة، حيث ينفّذ "برنامج مشترك بين وزارة التربية والجيش". وحسب ذلك البرنامج، يقوم ضبّاط في الجيش بمرافقة طلاّب الصفوف العليا في المدارس لتشجيعهم على الانخراط في صفوف الجيش" . كذلك، فإن الالتحاق بصفوف الاحتياط ارتفع إلى سنّ الأربعين .
هذا هو الكيان الصهيوني، وهذه هي بُنيته. وقد تمثّل أقصى ما يمكن أن يقدّمه من أجل "السلام" في المقترحات التي قدّمها رئيس وزراء العدوّ الأسبق "إيهود باراك" في قمّة كامب ديفيد التي عقِدت في تمّوز/يوليو من العام 2000، حيث أجمع قادة الكيان، في اليسار واليمين، على أنها شكّلت "تجاوزاً لجميع المحرّمات الممكن تخيّلها"، حيث قدّم باراك خلالها تنازلاتٍ لم يجرؤ عليها أحدٌ قبله، و"لا يمكن كذلك تكرارها في المستقبل"...!
لكن، ما هي حقيقة تلك التنازلات التي تجاوزت المحرّمات، ولا يمكن تكرارها مستقبلاً؟
"روبرت مالي"، الذي كان مستشاراً خاصّاً للشؤون "الإسرائيلية" العربية لدى الرئيس كلينتون بين عامي (1998-2001)، وأحد المشاركين في مباحثات كامب ديفيد، كتب يقول:
"لقد اعتقد كثيرون بأن الرّفض الفلسطيني للأفكار المقترحة في كامب ديفيد يُخفي في ثناياه رفضاً لحقّ "إسرائيل" في الوجود. لكن، لنفكّر بالوقائع مليّاً: لقد طالب الفلسطينيون بإنشاء دولةٍ وفق حدود 4 حزيران جنباً إلى جنب مع "إسرائيل"، ووافقوا على فكرة ضمّ "إسرائيل" لأراضٍ من الضفة الغربية تحوي معظم المستوطنات، وقبلوا بمبدأ السيادة "الإسرائيلية" على المناطق اليهودية المجاورة للقدس الشرقية، وهي مناطق لم تكن جزءاً من "إسرائيل" قبل حرب الأيام الستّة 1967. وفي حين أصرّوا على الاعتراف بحقّ اللاجئين في العودة، فقد وافقوا على تحديد عدد العائدين، بحيث يراعي تطبيق هذا الحقّ مصالح "إسرائيل" الديموغرافية والأمنية! إن أيّاً من الأطراف العربية التي تفاوضت مع "الإسرائيليين"، سواء كان الرئيس المصري أنور السادات أم حسين ملك الأردن، ناهيك عن الرئيس السوري حافظ الأسد، لم يصل إلى مثل تلك التسويات" .
وحتّى تلك الأفكار أو التفاهمات التي دعا إليها "إيهود باراك" كانت قد قُدّمت في كامب ديفيد شفاهة، بطريقةٍ "يصعب أن يكون لدى أيٍ كان أدنى فكرة عن ماهيّة تلك التفاهمات؛ إذ أن أحداً لم ير وثيقة تلخّصها، لأن مثل تلك الوثيقة غير موجودةٍ أصلاً. ولا يمكن للدبلوماسيين المحنّكين أن يتذكّروا مناقشاتٍ سياسية لم يتمّ تدوين ما جاء فيها على الورق" . والشيء الوحيد الذي يمكن أن يُستدلّ منه على حقيقة تلك الأفكار هي التفاهمات التي عرِفت باسم "تفاهمات بيلين-أبو مازن" .
ولنفهم فحوى تلك التفاهمات، والحدّ الذي يمكن أن تصل إليه تنازلات أبو مازن، نقرأ ما قاله أحد قُطبيها، "حمامة السلام" يوسي بيلين، في حوارٍ صحفيٍ أُجري معه:"إنّ بالإمكان الوصول إلى اتفاقٍ نهائي، ليس على أساس الشروط التي قدّمها الفلسطينيون علناً، بل بناء على تنازلاتٍ ذات دلالةٍ من [طرفهم]... لقد تبيّن لي أن لديهم فجوة كبيرة بين شعاراتهم، وبين فهمهم الواقعي للحقيقة؛ وهي فجوةٌ أكثر بكثيرٍ منها في جانبنا"... "إنهم على استعدادٍ للقبول باتفاقٍ يعطيهم الكثير من الأرض دون تفكيك المستوطنات ودون العودة إلى حدود العام 1967، وكذلك القبول بترتيبٍ في القدس لا يرقى إلى مستوى مجلسٍ بلدي" !
مقابل ذلك، طلب باراك أن يوقّع الطرفان "إتفاقاً نهائياً"، وأن يترافق ذلك مع إعلانٍ فلسطينيٍ عن "نهاية الصراع". لو أن الفلسطينيين وقّعوا إعلاناً كهذا، لفقدوا أيّ أساسٍ شرعي يستند إلى قرارات الأمم المتحدة يمكن أن يُبنى عليه أيّة مطالب في المستقبل. وقد غُلّف طلب باراك بلغةٍ يصعب الاختلاف عليها، كما في قوله: "إذا كان الفلسطينيون يريدون تأسيس دولة، فإن عليهم قبل ذلك الإعلان بأن الصراع المستمرّ منذ قرن بين اليهود والعرب قد وصل إلى نهايته". وحدها الخاتمة تبيّن أن هذا في الحقيقة، هو تهديدٌ صريح؛ إذ أضاف باراك: "لأن البديل هو مواجهةٌ داميةٌ لن ينجم عنها أيّ خير" .
أما فيما يتعلّق بحقّ العودة، فينطلق الصهاينة في التعامل مع هذه القضية، في إطار أيّ مشروع للتسوية، من النظرة الصهيونية الاستراتيجية إلى فلسطين كاملة، كأرض "إسرائيل" التي يجب أن تُقام عليها "دولة يهودية"، يمكن أن تسكن فيها أقلّيةٌ غير يهودية. وهم (الصهاينة) ملتزمون بشكلٍ حاسم، وغير قابلٍ للتأويل أو المساومة، بأن تبقى الأغلبية الحاسمة لليهود. لذا، نسمع تكرار حديثهم عن "بعبع" الخطر الديموغرافي الفلسطيني.
وهذا التصوّر يلتزم به كامل الطّيف الصهيوني، بما فيه من يسمّيهم البعض بـ"حركات السلام"، والتي خَلصُ مُفكّروها، وفي مقدّمتهم الكاتب المعروف أب. يهوشاع وعاموس عوز، إلى القطع بأن: "حقّ العودة معناه تصفية (إسرائيل)" .
أما عن الترابط بين نظرة الصهاينة للسلام، وقدرتهم على شنّ الحروب لإخضاع "الآخر" بالقوّة لمفهومهم للسلام، فيقول الباحث الصهيوني في الاستراتيجية النووية "شاي فيلدمان":
"إن امتلاك النظام النووي الغامض أو العلني من قِبل أحد أطراف الصراع في المنطقة، لا بدّ أن يوفّر لمثل هذا الطّرف القدرة على فرض السلام، لأنه يردع الطّرف الآخر عن الإقدام على شنّ الحرب، ويجعله يعيد النظر في حساباته. ويتوصّل في النهاية إلى أنه لا بدّ من التسليم بوجود وشروط الطّرف الآخر باعتباره الطّرف الأقوى في إطار صراع الإرادات" .
وهذا ما يفسّر ذلك السّعار الصهيوني تجاه البرنامج النووي الإيراني، والإصرار على تمسّك الكيان الصهيوني ببرنامجه النووي العسكري السرّي. أمّا ما تسعى الحركة الصهيونية لتحقيقه من وراء ذلك "السلام"، فقد كشفه القائد الأسبق لسلاح الجوّ الصهيوني، الجنرال بنيامين بيليد، بقوله: "إن "إسرائيل" مدعوّةٌ إلى استخدام كلّ الوسائل المتاحة لديها من أجل الحصول على نصيبها من ثروات المنطقة، وضرورة مشاركتها في استغلال هذه الثروات التي تفتقر إليها لضمان مستوى معيشةٍ أفضل لسكّانها" .
القادة الصهاينة حاسمون إذاً في فهمهم لطبيعة الصراع: "المعركة ليست جغرافية بالأساس؛ بل هي تاريخيةٌ وجودية"... والشيء المهمّ الآن هو "الوصول إلى اعتراف وقبول أخصامنا بالصهيونية" .
في ستّينيات القرن العشرين، أطلق العلاّمة الشهير "آرنولد توينبي" مقولته الحاسمة: "إن (إسرائيل) تعيش بالحرب، لكنّها تذبل بالسلام".. !
يتبع

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -3-

نتابع: الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -3-
العنصرية في الفكر الصهيوني
ليس من الصّعب على من يُراقب الممارسات اليومية للكيان الصهيوني، ويتابع تصريحات قادته منذ ما قبل الإعلان عن قيام الكيان الغاصب وإلى يومنا هذا، أن يستنتج أن كلّ هذه الممارسات والتصريحات هي نتاج منطقٍ عنصريٍ فاضح، وأن كلّ تطوّرات الصراع مع المشروع الصهيوني لم تكن إلاّ انعكاساً لهذه العنصرية الصهيونية المقيتة. هذا الواقع فرض نفسه على جدول أعمال الجمعية العامّة للأمم المتحدة، فأصدرت في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام1975 القرار رقم 3379 الذي نصّ على أن "الصهيونية شكلٌ من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"... ولكن، بسبب الأزمة العميقة في الواقع العربي، ومنه الواقع الفكري والثقافي، لم يتابَع القرار المذكور بجهودٍ فكريةٍ للحفر في الأصول النظرية والنصوص الأساسية المكوّنة للعنصرية الصهيونية، وتوضيح مدى خطورة تغلغلها في العقل الإنساني، وبخاصّةٍ الغربي الدّاعم للمشروع الصهيوني. لذا، لم يكن من الصعب على الحركة الصهيونية وقوى الاستكبار العالمي، وإثر مؤتمر مدريد للسلام المزعوم، دفع الجمعية العامّة في أواخر العام 1991 لاتخاذ قرارٍ بإلغاء القرار "3379 ". ولكن، هل يعني إلغاء هذا القرار وجود أدنى شكٍ في عنصرية الحركة الصهيونية و كيانها المصطنع الذي قام على أنقاض أكثر من أربعمائة قريةٍ ومدينةٍ فلسطينية، بعد أن شرّد الشعب واغتصب الأرض وفرض قوانين عنصرية على من بقي من أبنائها.
ففكرة "شعب الله المختار" تعني تفوّق اليهود على ما عداهم من شعوب الأرض، وبالتالي "حقّهم المطلق" في لعب دورٍ رياديٍ و قياديٍ على باقي الأمم والشعوب!
يقول أحادهعام، أحد كبار منظّري الحركة الصهيونية: "من الطبيعي أن يسلّم الإنسان بحقيقة وجود درجاتٍ كثيرةٍ في سلّم الخليقة. فالنباتات و الحيوانات و المخلوقات القادرة على النطق يتقدّمها جميعاً الجنس اليهودي" .
"في الدولة اليهودية، يُعتبر اليهود وحدهم بشراً, بينما يخضع غير اليهود لنظام الحيوانات, الحيوانات النافعة أحياناً, و الضارّة و حتى الخطرة أحياناً أخرى. وهناك أناسٌ يظنّون أنه لا يجوز استعمال القساوة حيال الحيوانات وغير اليهود. و هناك آخرون يعتقدون أن لا أهمّية لذلك. و لكن، كلّ من يؤمن بمبدأ الدولة اليهودية مقتنعٌ بأن غير اليهودي في الدولة اليهودية ليس إنساناً (وفقاً لتعريف كانط: "هدفاً بذاته")؛ بل مجرّد وظيفةٍ للمصلحة اليهودية..." .
بتاريخ (7/8 - 2- 2006)، نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية ملحقاً على حلقتين ضمّ 12 صفحة، بعنوان "إسرائيل والفصل العنصري"؛ وقد تضمّن مقارنة بين ممارسات "إسرائيل" في الضفة الغربية والممارسات التي كان يقوم بها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ولم تقتصر هذه المقارنة على الكلمات وحسب، حيث عرضت الصحيفة صوراً تكاد تكون متطابقة للممارسات التي كان ينتهجها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وتلك التي تتبعها "إسرائيل" مع الفلسطينيين. وقد أعدّ هذا التقرير الخاصّ، مراسل "الغارديان"، كريس ماك غريل، بعد أربعة أعوامٍ قضاها في القدس وأكثر من عقدٍ أمضاه في جوهانسبرغ.
وممّا كتبه معدّ التقرير: "هناك عددٌ قليلٌ جداً من الدول في العالم التي تخلق حكوماتها شبكة من القوانين التي تميّز بين السكّان حسب مكان إقامة كلٍ منهم. من تلك الدول نظام الأبرتهايد العنصري السابق في جنوب أفريقيا وإسرائيل. ويقارن الكاتب بين القوانين الخاصّة التي سنّها النظام العنصري لصالح البيض في جنوب أفريقيا والقوانين التي سنّتها إسرائيل لصالح اليهود، وتلك التي سنّتها جنوب أفريقيا للتعامل مع الزنوج الأفريقيين مقابل تلك التي سنّتها إسرائيل للتعامل مع العرب. ويصف الجدار الذي تبنيه إسرائيل على أراضي الضفة الغربية بـ"جدار الأبرتهايد"، كونه يفصل بين جمهورين ويبتلع أراضي العرب.
كما قارن الكاتب ما يجري في الضفة الغربية بما كان يحدث في جنوب أفريقيا، حيث خصّصت سلطات الأبرتهايد مداخل خاصّة للبيض مفصولة عن المداخل المخصّصة للسود.
واستبق الكاتب ردود الفعل الإسرائيلية على تقريره قائلاً: سيقوم إسرائيليون ويدّعون أن المقارنة ليست في محلّها، خاصّة وأنه لا توجد في إسرائيل لافتات خاصّة لتوجيه اليهود وأخرى لتوجيه غير اليهود، كما كان عليه الأمر في جنوب أفريقيا. كما لا يتمّ الفصل في حافلات الركّاب أو المراحيض العامّة. ولدحض كلّ ذلك، يقتبس التقرير كلاماً للقنصل الإسرائيلي الأسبق في جنوب أفريقيا، ألون ليئال، يقول فيه: "إذا نظرنا إلى ضخامة التعامل غير العادل مع الفلسطينيين، فسنجد أن هناك مكاناً لمقارنة الأمر بنظام الأبرتهايد. قد تكون فلسفتنا مغايرة وناجمة عن دوافع الأمن؛ لكن، في المحصّلة النهائية، تشير النتائج إلى أننا نتواجد في المجموعة ذاتها" (الأبرتهايد). كما يقتبس التقرير عن يهوديٍ من أصلٍ جنوب أفريقي يُدعى غولدريخ، وقد عانى في ظلّ النظام العنصري في جنوب أفريقيا لرفضه دراسة اللغة الألمانية في مدرسته وإصراره على تعلّم اللغة العبرية. يقول غولدريخ الذي يعيش اليوم في مدينة هرتسيليا- قرب تلّ أبيب: إن إسرائيل اليوم تشبه نظام البيض في جنوب أفريقيا.
وما يفضح أيضاً عنصرية الكيان الصهيوني أن التمييز العنصري فيه لا يمارس بحقّ غير اليهود فقط، بل أيضاً بحقّ اليهود غير الإشكناز. يقول "إسرائيل شاحاك" في كتابه (الصهيونية بين الحقيقة والاختلاق): "إن العرب الذين هم مواطنون من الدرجة الثانية، ليسوا الضحية الوحيدة للممارسات العنصرية لدولة إسرائيل. ولكن، اليهود الشرقيون أيضاً. فإذا كانت إسرائيل هي دولة كلّ اليهود، وجب أن تكون دولة إشكنازية؛ لأن الأغلبية العظمى من يهود العالم هي إشكنازية، بالرّغم من أن اليهود الشرقيين يشكّلون الأغلبية في إسرائيل نفسها... ولكنّهم سيبقون مجموعة الأقلّية بنظر القيادة الصهيونية، حتى لو أصبح عددهم ضعف أو عشرة أضعاف الإشكنازيين".
تقول إيلا حبيبة شوحط، أستاذة الدراسات الشرقية والنسائية في جامعة نيويورك:"في إسرائيل، يشكّل اليهود الأوروبيون نخبة من العالم الأوّل، تسيطر لا على الفلسطينيين فقط، بل على اليهود الشرقيين أيضاً. وكشعبٍ يهوديٍ من العالم الثالث، يشكّل المزراحيم أمّة شبه مستعمرةٍ داخل أمّة... وتضيف: في حين أحال النظام الصهيوني المزراحيم إلى قعرٍ لا مستقبل له، فإنه دفع الأشكناز صعوداً في السلّم الاجتماعي...الأمر الذي أوجد أحياناً أوضاعاً شاذّة يعمل فيها المزراحيم المتعلّمون كعمّالٍ غير مهرة، بينما يحتلّ الإشكناز الأقلّ تعلّماً مواقع إدارية عالية" .
ما سبق من استشهاداتٍ يؤشّر بوضوح إلى الطبيعة العنصرية الفجّة والمركّبة للإيديولوجيا الصهيونية، التي تفوّقت في إجرامها وممارساتها على النازية والفاشية.
يتبع

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -2-


نتابع: الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -2-
وللإجابة على السؤال المركزي الحائر: من الذي يحكم الكيان الصهيوني؟ ومساهمة منّا في محاولة الإجابة على هذا السؤال، نورد ما يلي:
على ضوء انتخابات الكنيست الثاني عشر عام 1988، طُرِحت على بساط البحث مسألة تحديد من هو اليهودي – وقانون العودة.
وفي مواجهة هذا الجدل، تحرّك صهاينة ما وراء البحار. ومن ضمن تحرّكهم عقِد مؤتمرٌ لـ"الاتحادات اليهودية لأميركا الشمالية" في مدينة نيو أورليانز تحت شعارٍ له دلالته البالغة: "إننا بحاجةٍ إلى إسرائيل، كما أن إسرائيل هي بحاجة إلينا".
في افتتاح المؤتمر، قال مدير عام مجلس الاتحادات اليهودية لـ"الإسرائيليين": "يهود الولايات المتحدة لا يعيّنون لكم ما إذا كان عليكم أن تأكلوا أطعمة كاشير، أو تجنّدوا أبناء المدارس الدينية. فهذه مسألة داخلية دينية... ولكن، بالنسبة إلى مسألة تعديل قانون: من هو اليهودي، فهذه مسألةٌ أخرى".
أمّا مئير شطريت، أمين صندوق الوكالة اليهودية، فرأى أن الخطر الأكبر المتأتّي من وراء قانون تحديد من هو اليهودي، أنه سيؤدّي إلى: "تدهور مكانة اليهود في الولايات المتحدة". وبالفعل، فقد تراجعت الكنيست، ولم تقل رأيها في تحديد من هو اليهودي؛ وعلى إثر ذلك، كتبت صحيفة "هآرتس" افتتاحية جاء في متنها: "تكيّفت إسرائيل مع وضعٍ يجلس فيه القادة الصهيونيون وراء البحار، ويساعدونها في التمويل والنفوذ. والمقابل المترتّب على ذلك هو اعتراف إسرائيل بحاجات يهود الخارج". فيما يتّهم يوسي ساريد الصهاينة في الولايات المتحدة بقوله:"لا همّ لكم سوى المحافظة على هيبتكم ومكانتكم".*
وقد أظهرت تلك القضية الدور المفصليّ الذي تلعبه الصهيونية التوطينية (صهاينة ما وراء البحار) في قيادة الكيان الصهيوني. فقد أرغم هؤلاء الصهاينة إسحاق شامير على التراجع عن مواقفه والتزاماته اتجاه الأحزاب الدينية، وأوقِف البحث في تعديل "قانون العودة" وتحديد "من هو اليهودي".
لكنّ الخلاف على الهوية لم يتراجع على الإطلاق؛ بل هو ازداد حدّة في ضوء الإخفاقات المتزايدة للمشروع الصهيوني. وعلى سبيل المثال: في مطلع أيار/مايو 2006، ألقى الرّوائي "الإسرائيلي" أ. ب. يهوشع محاضرة في الندوة التي أقامتها اللجنة الأمريكية-اليهودية، بمناسبة الذكرى المئة لتأسيسها، تحت عنوان "مستقبل الماضي"؛ وفيها خاطب يهود الولايات المتحدة قائلاً:"إن الهوية جلدي وليست معطفي. أنتم تغيّرون أوطانكم مثلما تغيّرون معاطفكم. وغداً، إذا صارت الصين قوّة عظمى، فإنكم سوف تهاجرون إلى هناك!". واعتبر يهوشع أن "الهوية تتشكّل من عنصرين هما: الأرض واللغة. الهوية تتحدّد وفق الأرض التي يعيش فيها اليهودي؛ فاليهودي الإسرائيلي ليس كاليهودي الفرنسي؛ وهو يختلف عن اليهودي الأمريكي. فلكلّ يهوديٍ هويةٌ تتبع الأرض التي يعيش فيها. ومن يقيم في دولة "إسرائيل"، وينشغل بشكلٍ يوميٍ بعشرات القرارات المصيرية ذات الصّلة باستمرار وجوده كشعب، هو من يهتمّ بالاستمرارية".
وقد جاء الردّ الفوريّ من قِبل اليهود الأمريكيين على لسان المحرّر الأدبي لمجلّة "نيو ريبّبلك"، ليئون فيزلتير:"إنك تأخذ مفهوم اليهودي وتختزله بالإسرائيلي. فمفهوم اليهودي قائمٌ قبل زمنٍ طويلٍ من قيام دولة "إسرائيل". هناك دينٌ يهودي؛ هناك ثقافةٌ يهودية؛ هناك أدبٌ يهودي؛ هناك نصوصٌ يهودية تأخذنا إلى ما قبل ثلاثة آلاف عام. لماذا تصرّ على اختزالها بالإسرائيلية؟". أمّا المذيع الأمريكي الشهير تيد كوبل، فيقول: "لا يمكنك أن تتجاهل إسهام يهود العالم في استمرارية الشعب اليهودي كأمّة. ثمّة أمرٌ خاصٌ جداً جداً. عالمي؛ ويمكن ملاحظته بسهولة في صفوف اليهود. إنه شيءٌ يتجاوز الأرض، وهو شيءٌ مشتركٌ بيننا جميعاً". لكن، ما صدم يهود أمريكا لم يحدِث صدمة في الواقع الإسرائيلي. وقد كتب صحفيٍ إسرائيلي مقالاً في صحيفة "هآرتس" تحت عنوان "يهود أغراب": "كان بوسع اليهود الأمريكيين توفير الصدمة على أنفسهم، لو كانوا يعلمون أن أفكار يهوشع هذه منتشرة بشكلٍ واسعٍ في أوساط المثقّفين الإسرائيليين".
وبكلمة؛ لا يمكن لنا استيعاب عمق أزمة الهوية في الكيان الصهيوني من دون فهم طبيعة الجماعات اليهودية التي استجلِبت إلى فلسطين لتحلّ مكان الشعب الفلسطيني المُقتلع من أرضه. فأيّ رابطٍ قوميٍ أو إثنيٍ أو حتّى ديني، يجمع هذا الخليط (سفارديم، أشكناز، مزراحيم "يهود البلدان العربية والإسلامية"، أرثوذكس، ملحدين...). هذا الرّابط لم يتجاوز عملية غسيل دماغٍ واسعة، عبر ضخٍ إعلاميٍ ثقافيٍ مركّزٍ لمجموعة الأساطير التي ذكرناها آنفاً، وفي القلب منها أسطورة " الجيش الصهيوني الذي لا يُقهر".
إن السقوط المدوّي لهذه الأسطورة، والذي تحقّق على يد أبطال المقاومة الإسلامية في لبنان والمقاومة الفلسطينية في غزة؛ قد أعاد تفجير سؤال الهوية في الكيان الصهيوني، بين دعاة الصهيونية الدينية والصهيونية العلمانية، وبين اليهودي الإشكنازي الأبيض، والسفاردي والمزراحي والفلاشاه. وفي زمن الإنتصارات، حين كان الجميع يستطيع أن يأخذ نصيباً من الغنائم، كان إرجاءٌ وتجميدٌ لأزمة الهوية في الكيان المحتلّ.
وقد لا يعرف الكثيرون أن الحاخامية الكبرى في الكيان الصهيوني لم تعترف بيهودية المزراحيم عند قدومهم إلى فلسطين. وكذلك كان الحال مع الفلاشا حين طُلِب منهم أن يتهوّدوا. وجاء ظهور ما يسمّى (بجيل الصابرا) من الإشكناز ذوي العقلية الكارهة لكلّ يهود العالم، ليجعل من العسير على اليهود أنفسهم تصديق مقولة (الشعب اليهودي)، لتناقضها الصارخ مع الواقع.
وممّا زاد الطّين بلّة أن عملية التهميش السياسي والثقافي والاقتصادي التي عانى منها اليهود الشرقيون طويلاً، وتغييبهم عن مراكز صنع القرار بسبب قلّتهم العددية عند تأسيس (الدولة)، لم يعد ممكناً بعد تزايد أعداد هؤلاء، وبعد أن أضحى الإشكناز أقلّية، خاصّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المهاجرين الرّوس الجدد يميّزون أنفسهم ويطلبون حقوقاً خاصّة.
إن استمرار مقاومة المشروع الصهيوني وعجز المؤسسة العسكرية/الأمنية الإسرائيلية عن مواجهة التحدّيات الخارجية واستعادة أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، سيزيد من عمق الشعور بالخصوصية لدى الجماعات اليهودية المكوّنة للكيان الصهيوني. كما سيعمّق من حدّة أزمة الهوية، بما يمكن أن يوصل إلى تقويض المشروع الصهيوني برمّته.
يتبع

الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -1-


الأزمة البنيوية في الفكر الصهيوني العنصري -1-
وليد محمّد علي/ المدير العام لمركز باحث للدراسات الفلسطينية والإستراتيجية
توطئة
جاء المشروع الصهيوني أساساً ليعبّر عن مصالح المتموّلين اليهود المندمجين عضوياً بالطغم المالية التي قادت مرحلة الاستعمار والهيمنة. فكان من البديهي أن تتبنّى هذه الطّغم ونظامها الاستكباري العالمي المشروع الصهيوني كحليفٍ عضويٍ وحيويٍ يحظى بكلّ العناية والحماية والدّعم.
وقد جاء صوغ المشروع، ليمثّل أعلى مراحل الرأسمالية ويتمتّع بكلّ مظاهر حداثتها، وعوامل قوّتها وإنجازاتها الحديثة. وليستند، في الوقت عينه، على ما كُتِب كتراثٍ تاريخيٍ مُفترضٍ لمرحلةٍ غابرة. وتأسّست الإيديولوجيا الصهيونية على قاعدة التلفيق بين أقصى درجات التقدّم العلمي، وبين تاريخٍ قبليٍ يحمل مفاهيم وقيماً متخلّفة تجاوزتها البشرية منذ آلاف السنين. ولم يكن من سبيلٍ لتمرير وتسويق هذه التوليفة المتناقضة جذرياً إلاّ بفرضها بالقوّة على الأرض المعيّنة (فلسطين). وفي هذا السياق، جرى نبش مجموعةٍ من الأساطير البالية:
- اليهود: شعبٌ موجودٌ منذ الأزل، وهم شعب الله المُختار.
- فلسطين: أرض الميعاد، الممنوحة للشعب المُختار.
- فلسطين: أرضٌ بلا شعب؛ لشعبٍ حُرِم من الأرض.
ولاحقاً، جرى تدعيم تلك الأساطير الغابرة بمجموعةٍ من الأساطير الحديثة:
- "المسألة اليهودية" لا تُحل إلاّ بإعطاء اليهود وطناً خاصاً بهم.
- دولة اليهود تمثّل قلعة للإشعاع الحضاري في قلب العالم العربي- الإسلامي المتخلّف!
- الدولة الصهيونية قادرةٌ على فرض سيطرتها على شعوب المنطقة، بما يضمن استمرار هيمنة الاستعمار الغربي عليها.
وعلى الرّغم من النجاحات التي حققتها الحركة الصهيونية، إلاّ أنها حملت في جنباتها وأعماقها جملة من الأزمات التأسيسية، راهن من سُمّوا بـ"الآباء المؤسسين" على تجاوزها بعد بناء "الدولة"، وذلك عبر التآلف معها وتزييف الواقع السياسي والاجتماعي، من خلال التعبئة الإيديولوجية والاستخدام المكثّف للمراوغة اللفظية بشعاراتٍ يحتاج اكتشاف زيفها ردحاً طويلاً من الزمن.
أزمة الهوية في الكيان الصهيوني
السؤال حول الهوية ليس جديداً على الحركة الصهيونية وقبلها على اليهود. فهو كان مطروحاً في إطار التيّارات اليهودية المختلفة، المنتشرة خاصّة في أرجاء أوروبا وأمريكا؛ وإن كان قد ازداد حدّة و إلحاحاً في المرحلة الإنتقالية بين النظامين الإقطاعي والرأسمالي، بين من كان يرى "اليهودية" كديانةٍ شأنها شأن الديانات الأخرى؛ وبين من أراد إلباسها ثوب القومية تيمّناً بالحركات القومية التي سادت في أوروبا.
قبيل ظهور الحركة الصهيونية، سادت في أوساط معتنقي الديانة اليهودية اتجاهاتٌ فكريةٌ عدّة، كان من أهمّها الاتجاه الاندماجي. وقد شكّل أصحاب هذا الاتجاه حركة مستنيرة أسموها "الهسكلاه"، وتعني "التنوير". وهي كانت تدعو اليهود الذين خرجوا من المعازل للانعتاق من عقليّة تلك المعازل والاندماج في مجتمعاتهم، وأن يكون ولاؤهم أوّلاً وأخيراً لها، على أساس المساواة في الحقوق والواجبات والمواطنة الكاملة. وكان أصحاب هذا الاتجاه يرفضون القول بوجود قوميةٍ يهودية؛ بل هناك ديانةٌ يهوديةٌ منتشرةٌ في العديد من البلدان، شأن الديانات الأخرى. ففي العام 1855، تبنّى المؤتمر المركزي للحاخامين الأميركيين مبدأ مفاده أن اليهود يشكّلون طائفة دينية... وفي نفس العام الذي عُقِد فيه المؤتمر الصهيوني (1897)، اعتبر الحاخام الأميركي كوفمان كوهلر أن المبدأ الأوّل من مبادئ الإصلاح الديني اليهودي يقوم على أساس أن "اليهودية لم تعد ديناً قومياً إلاّ بقدر ما بقي الربّ إلهاً قبلياً. فاليهودية هي نظامٌ عامٌ شاملٌ من الحقائق والأخلاق". ولاحظ كلود مونتفيوري، مؤسّس حركة اليهودية الليبرالية في إنكلترا، أن القيادة الصهيونية "ليس لها اهتمامٌ يُذكر بالدّين؛ وأن هناك خلافاً حتمياً بين الأماني والتطلّعات الصهيونية لإقامة دولةٍ سياسية، وبين استمرارية اليهودية كقوّةٍ روحيّةٍ حيّة" .
وقد بدأ اليهود في العالم يشاركون مواطنيهم في بناء دولهم الحديثة. "فكان ولاء كلّ طائفةٍ يهوديةٍ للقُطر الذي ترعرعت في ظلّه، حيث اندمجت كلّ طائفةٍ في حياة شعبها وبدأت تُسهِم في عملياته الاجتماعية... لقد بدأت مرحلة أصبح فيها أبناء الطوائف اليهودية يُعلنون أنهم فرنسيون وبريطانيون وألمان يدينون بالدّين اليهودي" .
ولاحقاً، بدأ دعاة "الأمّة اليهودية" يتخوّفون من أن يؤدّي "تنوير" اليهود وخروجهم من عزلتهم، واندماجهم في مجتمعاتهم، إلى زوال أسطورة "الأمّة اليهودية" وأسطورة "شعب الله المختار". فكان أن طرحت الحركة الصهيونية رؤيتها للحلّ القومي، لما يسمّى "المسألة اليهودية"، بعد أن صُبِغت العلمانية الصهيونية بالطابع الديني بهدف تلفيقها مع الأسطورة الدينية القائلة بالوعد الإلهي بإقامة دولة "إسرائيل"، والتي كان لا بدّ أن تقدّم نفسها بوصفها دولة اليهود. وقد زرعت الصهيونية في الوعي اليهودي عبر الأجيال فكرة العلاقة الوثيقة التي لا تنفصم بين الهوية الدينية والهدف السياسي لكلّ مرحلة. وشكّلت الهجرة الطقس الأوّل في الصهيونية، كالتزامٍ يترتّب على كلّ صهيوني، وأن محكّ التمسك بالمعتقد الصهيوني، هو التزام اليهودي بالهجرة إلى فلسطين والإسهام في تأسيس وطن اليهود "إسرائيل".
أمّا سؤال الهوية في الكيان الصهيوني، فقد تنوّع بتنوّع الأماكن والانتماءات التي جاء منها المستوطنون. فظهرت العديد من التصوّرات لصياغة الهوية "الإسرائيلية"؛ ومنها:
1- التصوّر الكنعاني للهوية: جاء هذا التصوّر مترافقاً مع ازدياد الهجرة إلى فلسطين وولادة أجيال "الصابرا". وينطلق هذا الطّرح من أن الصهيونية لا يمكنها أن تخلق وطناً روحياً، لأن طابع "المنفى" اليهودي مطبوعٌ في مصدرها. والدولة الإسرائيلية ليست بحاجةٍ لأن تكون دولة يهودية، لأن اليهودية ليست بحاجةٍ إلى دولة؛ وليست الدولة ضرورة حتمية لها ولحياتها. ويرى أصحاب هذا الطّرح أنه في المنطقة التي كانت تسكنها في الماضي شعوبٌ تتحدّث العبرية على اختلاف لهجاتها، وتشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ولِدت الأمّة العبرية القديمة، والتي أنشأت حضارة عبرية؛ وأن الدولة العبرية يجب أن تشمل البلدان السابقة، وأنها لن تكون لها أيّ علاقة باليهود في شتاتهم، باستثناء أن القادمين من الشتات هم الذين سيشكّلون نواة الأمّة العبرية.
2- التصوّر الصباري للهوية: يقوم على رفض الشتات والتحفّظ عليه، وعلى طابع حياة اليهود الذين عاشوا في الشتات، والعادات التي كانت شائعة بينهم، مع تعلية شأن "مواليد البلاد". وهذا ما أعطى هؤلاء الإحساس بالانتماء إلى جماعةٍ من الصفوة والتفوّق على أقرانهم القادمين من الشتات، وأن الصابرا يشكّلون بداية جديدة لا علاقة لها بالماضي اليهودي في الشتات، بكلّ تعلّقاته التراثية والثقافية والتاريخية.
3- التصوّر الإسرائيلي للهوية: وهو يقوم على أساس الالتفات إلى واقع دولة "إسرائيل"، بحيث يبرز مدلولٌ جديدٌ لمصطلح "إسرائيلي"، لناحية السعي لتحقيق المساواة المدنية لكلّ سكّان "الدولة"، ولو في إطارٍ شكلي، من دون أن تكون هذه المساواة مشروطة بالأصل الديني أو القومي للمواطنين. وعلى ذلك، فإن "الإسرائيلية" تُعرض على أنها إطارٌ مشتركٌ لكلّ المواطنين في دولة "إسرائيل"، شريطة إلغاء الفوارق بين المواطنين بسبب أصلهم القوميّ؛ فمع هذا الطّرح، يجري الحديث عن شعبٍ طبيعيٍ في دولةٍ طبيعية، وأن التميّز يكون بينهم كإسرائيليين وليس كيهود. وهذا الطّرح يرى أن على دولة "إسرائيل" التسليم مسبقاً بوجود تنوّعٍ واسعٍ للغاية من الثقافات الجزئية في داخلها، مع تكوين ولاءٍ للإطار الأعلى المشترك.
ولكي لا ينشأ أيّ التباسٍ في فهم الأطروحات المختلفة للهوية في "إسرائيل"، لا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الأطروحات لا تختلف حول المبادئ الصهيونية بقدر ما تحاول تطويرها لتتناسب مع المتغيّرات المحلّية والإقليمية والكونية؛ مع الحفاظ على إنجازات الحركة الصهيونية والتأسيس عليها، وذلك انطلاقاً من واقع أن خزّان الهجرة اليهودية في العالم (خارج الولايات المتحدة) بات فارغاً؛ وأنه لا يمكن التعويل على يهود الولايات المتحدة بالهجرة الجماعية إلى "إسرائيل". فكان من الأفضل، لتمكين الكيان من مواجهة التحدّيات، البحث عن هوية "إسرائيلية" جديدة تنطلق من أن الصهيونية قد انتهى دورها في تاريخ اليهود الحديث، وأن "إسرائيل" بحاجةٍ إلى هويةٍ أخرى تكون مسؤولة عن تشكيل مستقبلها.
لقد كانت تلك التصوّرات وغيرها محاولة يائسة لفكّ الإشتباك الناتج عن العلاقة التي كانت ولا زالت ملتبسة بين ما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري "الصهيونية التوطينية" وبين الصهيونية الاستيطانية".

يتبع