بحث هذه المدونة الإلكترونية

2015-04-08

مقدمات سقوط حيفا..كمين قريات موتسكين واستشهاد محمد الحنيطي وسرور برهم.. من دفاتر النكبة (7)



من دفاتر النكبة (7):
مقدمات سقوط حيفا..كمين قريات موتسكين، واستشهاد محمد الحنيطي وسرور برهم..

د.مصطفى كبها/ خاص بـ عــ48ـرب
كان لسقوط مدينة حيفا العربية، في الثاني والعشرين من نيسان 1948، بأيدي قوات "الهاجاناة" اليهودية أبعد الأثر على تردي معنويات العرب في فلسطين قاطبة، وفي قضاء حيفا وما جاوره من أقضية فلسطين الانتدابية.

ينطبع شهر نيسان عام 1948 في الذاكرة الفلسطينية شهراً دامياً تراجعت فيه معنويات الشعب الفلسطيني إلى حد كبير، وبالمقابل قويت شوكة القوات اليهودية التي أخذت فيه زمام المبادرة، وبدأت بمهاجمة القرى والمدن العربية وتهجير أهلها، خاصة في المناطق التي كانت مخصصة للدولة اليهودية حسب قرار التقسيم.

في بداية نيسان، وفي السادس حتى الثامن منه على وجه التحديد، فشل الهجوم الذي كانت قد شننته قوات جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي على كيبوتس "مشمار هعيمق". وقد كانت النتيجة المباشرة لهذا الفشل هجوم يهودي مضاد احتلت من خلاله قرى قيري وأبو شوشة وأبو زريق والغبيات والنغنغية وهجر أهلها، في حين تم عزل قرى أخرى كثيرة في منطقتي بلاد الروحة والكرمل الجنوبي. وفي الثامن والتاسع من الشهر ذاته توالت الضربات القاصمة في استشهاد عبد القادر الحسيني، قائد جيش الجهاد المقدس وسقوط القسطل في الثامن ومذبحة دير ياسين التي صاحبت سقوط تلك القرية وجاراتها غداة ذلك اليوم.

هذه الأحداث وغيرها زعزعت بشكل كبير معنويات المدافعين عن مدينة حيفا وأعضاء اللجنة القومية فيها، وقد تكون قد ساهمت في انهيار المقاومة في العشرين منم نيسان ومن ثم سقوط المدينة النهائي في الثاني والعشرين بعد معارك دامية في بعض المواقع خاصة في محيط مقر منظمة النجادة ومسجد الشيخ عبد الله.

ولكن الحدث الذي سبق ذلك كله وقضى بشكل شبه نهائي على أمل الحيفاويين بالدفاع عن مدينتهم كان، بلا شك، سقوط قافلة الذخيرة والعتاد التي قادها الضابط الأردني الشهيد محمد الحنيطي، قائد حامية حيفا، في كمين للقوات اليهودية على مشارف حيفا الشمالية قرب مستوطنة "قريات موتسكين"، ذلك الكمين الذي استشهد فيه بالإضافة للحنيطي المجاهد سرور برهم، قائد جمعية الكف الأسود في حيفا وأحد تلامذة الشيخ عز الدين القسام البارزين. كما وأصيب في الكمين ذاته الشيخ محمد نمر الخطيب رئيس جمعية الاعتصام الحيفاوية وأحد أهم أعضاء اللجنة القومية في حيفا.

وعن طبيعة المهمة التي قام بها الحنيطي في سوريا وقصة القافلة يقول الزعيم الحيفاوي رشيد الحاج إبراهيم في مذكراته (ص 89 ): " بيوم 11/03/1948 وبناء على مخابرات سابقة وتعيين موعد لقاء مع اللجنة العسكرية أرسلت إلى دمشق قائد حاميتنا العسكرية محمد الحنيطي وكان يرافقه أربعة من الحرس في سيارة خاصة، كان سفرهم عن طريق الناقورة –بيروت. ولدى وصوله وإطلاعه المسؤولين في اللجنة على حقيقة الوضع وما تحتاجه الحامية من أنواع الأسلحة لدرء الأخطار وزد منها بكميات لا بأس بها ثم شحنها في سيارتي كميون وكانت تحتوي على السلاح والذخائر والألغام وكميات من مدافع وقنابل الهاون والهوشكس. وفي صباح يوم 17/03/1948 واصلت هذه القافلة مسيرها من بيروت إلى حيفا مارة بمدينة صيدا، وكانت مكونة من سيارتي كميون وسيارة خاصة تقل القائد ورفاقه الأربعة، وفي صيدا انضم إليها أربعة من العرب كان منهم الشاب الوطني المجاهد أحمد محمود عمورة وثلاثة آخرون ومعهم خمس سيرات وخمسة سائقين".
قطعت القافلة الحدود اللبنانية وكان قد انضم لها اثنا عشر مقاتلاً من حامية حيفا، بحيث أصبح عدد جميع أفرادها 24 شخصاً. في صباح اليوم ذاته ومرت من عكا ولم تتوقف هناك، رغم نصائح البعض للقائد الحنيطي بالتوقف في عكا طلباً للراحة، وبغرض فحص الطريق إلى حيفا بشكل يسهل وصولها بأمان. لم يستمع الحنيطي لنصائح مساعده سرور برهم ولا لإلحاح القادة العكيين ومطالبتهم إياه بالمبيت في عكا. بعد مرور القافلة من عكا انضم لها سبعة حراس جدد كانوا قد بعثوا من قبل اللجنة القومية في حيفا ليصبح عدد المسافرين 31 شخصاً.

عند مرور القافلة في مفرق قريات موتسكين اعترضتها سيارات يهودية أدت إلى توقفها ووقوعها هدفاً لكمين محكم التدبير أمطر القافلة بالرصاص وأدى إلى استشهاد خمسة عشر من مرافقيها، بمن فيهم القائد محمد الحنيطي وسرور برهم وفخري البرد وإصابة الشيخ نمر الخطيب بجراح بالغة نقل على إثرها لدمشق للعلاج ولم يعد من يومها إلى حيفا. انفجرت إحدى الشاحنتين الكبيرتين بما فيها من ذخيرة وأحدث انفجارها دوياً هائلاً في حين أفلتت الثانية وسيارة خصوصية أخرى وعادتا إلى عكا.

وتفيد أغلب الروايات أن الذي قام بتفجير الشاحنة كان الشهيد سرور برهم الذي كان قد رأى استشهاد القائد وصحبة ففضل أن يفجر نفسه والشاحنة كي لا تقع غنيمة بيد القوات اليهودية. والشهيد سرور برهم من مواليد 1903 وقد كان قد انضم للفصائل المسلحة التي أقامها الشيخ عز الدين القسام في مطلع الثلاثينات في منطقة حيفا والشمال، وفي أثناء ثورة 1936 – 1939 كان مسؤولاً عن تزويد فصائل الثورة بالمؤن والذخيرة وتزعم تنظيم الكف الأسود الذي لاحق سماسرة الأراضي والعملاء.

أما الشهيد محمد حمد الحنيطي فهو أردني الأصل من مواليد 1913 تطوع لنجدة الفلسطينيين عند بدء الصدامات بين العرب واليهود على اثر قرار التقسيم عام 1947. وقد عين قائدا لحامية حيفا العسكرية في شهر كانون الثاني 1948 وقد شهد له كل من عرفه بالحمية الوطنية والقومية وحسن الخلق والاستقامة وقد جرح في ذراعه قبل سفره إلى دمشق وعولج في مستشفى الأمين في حيفا. في الثامن عشر من آذار نقا جثمانه إلى الأردن ليوارى الثرى هناك.

والشيخ محمد نمر الخطيب، وهو من مواليد 1905، انتمى هو الآخر لجماعة الشيخ القسام وشارك في فعاليات الخلايا السرية المسلحة التي أقامها لمقاومة الانتداب البريطاني والنشاط الصهيوني، أثناء ثورة 1936 -1939 شارك في فعاليات لوجستية داعمة للثورة وسجن قرابة السنة في سجن المزرعة. وفي الأربعينات كان من مؤسسي جمعيات إسلامية في حيفا، منها جمعيتا الاعتصام وفتيان محمد، كما كان مسؤولا عن لجنة مقاطعة الفعاليات والبضائع اليهودية في حيفا. بعد إصابته ورحلة استشفائه إلى دمشق كتب كتاباً عن النكبة ونشره عام 1951 وبعده انتقل للمملكة العربية السعودية حيث تدرج في مناصب دينية متعددة وأصبح أحد كبار علماء المدينة المنورة. في عام 2005 بلغ عن حفل تكريم أقيم له في المدينة المنورة بمناسبة بلوغه المائة عام.

بمغادرة هؤلاء الثلاثة ساحة الدفاع عن حيفا، فقدت المدينة وحاميتها الكثير من الخبرة والقدرة على التنظيم وبث الحماسة، ورغم محاولة رشيد الحاج الإبراهيم، الزعيم السياسي الأبرز في حيفا، التقليل من وقع كارثة القافلة على معنويات المقاتلين العرب في حيفا، إلا أننا نستطيع أن نقول أن هذا الحدث (وأحداث نيسان اللاحقة التي ذكرناها أعلاه ) كانت بمثابة البداية لخلخلة القدرات العسكرية وآمال الصمود لحامية حيفا.

المصادر اليهودية تذكر هذا الحدث كنقطة تحول قادت في النهاية لاحتلال الأحياء العربية. ولعل العبرة مما حدث في حيفا تكمن فيما رواه الأخوان جون ودافيد قمحي في كتابهما "من جانبي التلة" حول الطريقة التي حصلت فيها "الهاجاناه" في حيفا لخبر وصول القافلة وتحركاتها منذ قطعها الحدود اللبنانية حيث قالا: "كان للهاجاناه في حيفا طرق خاصة بها للحصول على المعلومات، حيث اندس أحد عملائها في الهيئة التي أدارت السياسة العربية في المدينة. بهذا الشكل نجحت بالإمساك، مقابل ثمن بلغ خمسين جنيهاً لكل قافلة، ليس اقل من تسع قوافل من مجموع إحدى عشرة قافلة نقلت العتاد والسلاح للعرب في حيفا ".

معركتا الكابري وقصة تهجيرها.. من دفاتر النكبة (6)



من دفاتر النكبة (6): معركتا الكابري وقصة تهجيرها..
د.مصطفى كبها خاص بـ عــ48ـرب

الكابري قرية عربية من قرى الجليل كانت تتبع قضاء عكا وتبعد عنها حوالي 12كم باتجاه الشرق. بلغ عدد سكانها عشية النكبة حوالي 1600 نسمة ومساحة أراضيها قرابة 38،000 دونم (غير المشاع والمراعي ). كانت هذه القرية نشيطة جداً في ثورة 1936 -1939 حيث كانت إحدى المحطات التي لجأت إليها فصائل الثورة التابعة لقائد المنطقة خليل العيسى ( أبو إبراهيم الكبير ).

تميزت الكابري بجمال مبانيها وسعتها خاصة مباني كبار الملاكين أمثال فارس أفندي سرحان. في أراضي القرية تواجدت عيون الماء التي زودت عكا بالمياه خاصة عين الباشا ( تم تسميتها بعد عام 1948 عين هشيراه أي عين القافلة والإشارة هنا للقافلة المتوجهة إلى مستوطنة يحيعام والتي تم إيقافها في قرية الكابري ) وعين العسل ( وتدعى بالعبرية عين تسوف) التي كانت مياهها تنقل من خلال قناة محمولة على قناطر مازالت أجزاء ومقاطع منها ماثلة للعيان شاهدة على مجد غابر.

وبحكم تحكمها بهذا المصدر الهام الذي كان يرفد عاصمة القضاء بالمياه فقد أصبحت الكابري موقعاً استراتيجياً تتوفر للقائمين فيه أو المسيطرين عليه مصادر القوة والنفوذ. وقد وصف دوف يرمياهو، أحد الضباط اليهود الذين عملوا في المنطقة، قرية الكابري، في مقابلة أجريت معه في آب 1996، قائلاً : كانت الكابري قرية كبيرة، مبانيها فخمة سكنها أناس أغنياء، بنوا قصوراً جميلة.
معركة الكابري الأولى ترتبط قصة معركة الكابري الأولى (27/03/1948) بما جرى في حيفا في السابع عشر من نفس الشهر، حيث قامت قوات الهاجاناه المستحكمة في قريات موتسكين بمهاجمة قافلة عربية محملة بالسلاح كانت قادمة من لبنان يقودها الضابط الأردني محمد الحنيطي، قائد الحامية العسكرية العربية في حيفا، ويرافقه الشيخ نمر الخطيب أحد أبرز القيادات العربية في حيفا آنذاك.

كانت القافلة محملة بكميات كبيرة من الذخيرة والمتفجرات والعتاد، وقد نجح الكمين اليهودي بتفجير الشاحنات المحملة بالذخيرة وقتل 15 رجلا من رجالها بينهم الشهيد محمد الحنيطي، في حين أصيب الشيخ نمر بإصابات خطيرة نقل على أثرها إلى دمشق لتلقي العلاج ولم تطأ قدماه بعد ذلك أرض حيفا. بعد هذه الحادثة قامت حامية عكا العربية بقطع الطريق بين حيفا والجليل الغربي الشيء الذي عزل المستوطنات اليهودية في الشريط الساحلي الشمالي ومنطقة الجليل الأعلى.

في الرابع والعشرين من آذار 1948 قام ضابط بريطاني من القوات البريطانية التي كانت ما زالت مرابطة في حيفا بالتوسط بين قيادة الهاجاناه وقائد حامية عكا العربية، وأدت هذه الوساطة إلى اتفاق لعدم التعرض للقوافل المحملة بالمؤن للمستوطنات المعزولة. وقد نجح هذا الاتفاق بإيصال القوافل المحملة إلى نهاريا، متسوبا، حنيتا وأيلون، في حين لم تفلح أطراف الاتفاق بحل قضية يحيعام.

كان كيبوتس يحيعام، التابع لحركة هشومير هتسعير، قد أقيم في قلعة جدين وما حولها في تشرين الثاني عام 1946 وقد بلغ عدد سكانه في آذار 1948 ستين نسمة. لقد كان على الراغب بالوصول إلى هذا الكيبوتس أن يمر من جانب قرى عربية كقرى النهر والكابري وترشيحا والتي تواجدت فيها بعض وحدات من المتطوعين العرب التابعة لجيش الإنقاذ وبعض الفصائل المحلية المسلحة.

في السادس والعشرين من آذار خرجت قافلة يهودية محملة بالمؤن والذخائر العسكرية من حيفا إلى نهريا ومتسوبا وأيلون وقد قامت قوات من لواء كرميلي بمرافقة القافلة التي وصلت إلى هدفها دون أية عقبات. شجع ذلك قيادة الهاجاناه على التخطيط لإرسال قافلة مماثلة إلى يحيعام، هذا على الرغم من وصول إخبارية لجهاز الشاي في حيفا تفيد بوجود نوايا لدى أديب الشيشكلي ( قائد وحدات جيش الإنقاذ في المنطقة آنذاك والرئيس السوري فيما بعد في السنوات 1949 -1955 ) لمهاجمة نهاريا ويحيعام ومستوطنات يهودية أخرى.

انطلقت القافلة اليهودية بقيادة بن عامي فيختر في صباح يوم السابع والعشرين من آذار من قريات حاييم إلى نهريا ومن هناك أكملت طريقها في الظهيرة إلى يحيعام. كانت القافلة مكونة من حافلة ومجموعة من الشاحنات المدرعة يحرسها تسعون جندياً كانوا يتبعون الفرقة 21 من لواء كرميلي. نصبت القوات العربية لهذه القافلة كميناً استحكم رجاله لدى التواء الطريق بالقرب من مقبرة قرية الكابري. سمح رجال الكمين للسيارة الأولى بالمرور (أكملت طريقها ووصلت إلى يحيعام)، في حين أمطروا رفيقاتها بالحمم من رصاص وقنابل ومتفجرات.

كانت الإصابات التي حلت بالشاحنات والمدرعات كافية لإيقاف القافلة، حيث وقع العديد من الجنود اليهود بين قتيل وجريح، وقد تحصن من تبقى منهم حيّاً في المدرعات في حين نجحت المدرعة الأخيرة في القافلة بالالتفاف والعودة باتجاه نهريا، ولكنها توقفت بعد مهاجمتها مجدداً من قبل فصيل عربي مسلح في قرية النهر.

بقيت المعركة متواصلة حتى حلول الظلام حيث استطاع بعض من بقي على قيد الحياة من رجال القافلة بالهرب تحت جنح الظلام تاركين وراءهم المعدات والمؤن والشاحنات. كانت حصيلة هذه المعركة مقتل 47 من القوات المرافقة للقافلة والاستيلاء على القافلة وما كان فيها من مؤن وذخائر.
معركة الكابري الثانية: التهجير كانت نتائج معركة الكابري الأولى مؤلمة جداً للجانب اليهودي، فبالإضافة للخسائر البشرية الفادحة، لم تحقق المبادرة أهدافها بالوصول إلى المستوطنات المعزولة ، بل ازداد وضع تلك المستوطنات سوءاً الشيء الذي جعل قادة الدولة الوليدة في منتصف أيار/مايو بالتفكير ملياً بتغيير الوضع الذي آلت إليه تلك المستوطنات. وعليه فقد تم وضع خطة لاحتلال وتهجير القرى العربية المسيطرة على مفارق الطرق المؤدية للمستوطنات اليهودية في المنطقة وقد عرفت هذه الخطة باسم بن عامي 2 تبدو معالم هذه الخطة واضحة في الأمر الميداني الذي تم توجيهه للقوات العاملة في المنطقة وقد جاء في بند المهام :

1.
فتح الطريق الموصلة ليحيعام وتمرير المؤن إلى هناك لمدة ثلاثة أشهر.
2.
الهجوم بقصد احتلال وقتل الرجال وهدم البيوت وحرقها في قرى الكابري، أم الفرج والنهر.

إن تسمية العملية باسم بن عامي (قائد القافلة في آذار والذي كان بين القتلى في المعركة ) والحديث عن قتل الرجال وهدم المنازل وحرقها واستخدام جنود الوحدة نفسها التي شاركت في المعركة الأولى (الفرقة 21 من لواء كرميلي) يمكن تفسيره بالرغبة في الانتقام من سكان تلك القرى وخاصة قرية الكابري بسبب الفشل الذريع الذي منيت به تلك الفرقة في معركة السابع والعشرين من آذار، والرغبة بالرد على ذلك الفشل وبكل ثمن.

بعد سقوط عكا والقرى المحيطة بها ( الزيب، المنشية، الكويكات والبصة ) في السادس والسابع عشر من أيار 1948، بدأت معنويات المدافعين عن الكابري بالتراجع، خاصة وأن وحدات المتطوعين العرب كانت قد غادرت القرية خاصة بعد القصف المركز الذي كانت قد تعرضت له القرية في العشرين من أيار 1948.

في الحادي والعشرين من الشهر ذاته دخلت القوات الإسرائيلية القرية من جهة الغرب وكان معظم سكانها قد اضطروا لمغادرتها تحت وطأة القصف في اليوم السابق وخاصة إلى منطقة ترشيحا. عند احتلال القرية لم تكن هناك مقاومة كما قال دوف يرميا، قائد إحدى الوحدات التي دخلت القرية، في المقابلة المشار إليها أعلاه: جئنا لاحتلال القرية ولم يكن واضحاً لنا إذا كانت هناك قوات مقاومة أم لا، هذا مع العلم أنه وصلت للمخابرات العسكرية معلومات عن تركهم القرية. تقدمنا ولم تطلق أية طلقة، لم يبق إلا القليل من سكان القرية، ومن الذين بقوا أخذ أحد الضباط سبعة أو ثمانية شباب لسد الحفر التي كانت في الشارع بقصد إعاقة تقدم قواتنا، لقد رأيت بأم عيني كيف أوقفهم في صف وقام بحصدهم. بعضهم قتل في الحال والبعض الآخر نجحوا بالهرب. كان هذا العمل الأول، وبعد أن أكملنا الاحتلال (كانت البداية في الصباح وعند الظهر انتهى كل شيء) بدأوا في اليوم ذاته بهدم القرية. نبعت عملية الهدم من دافع الانتقام بسبب ما جرى للقافلة .

المعلومات الواردة في شهادة يرميا أكدها صادوق إيشيل في كتابه (ص 173 ) حول أداء لواء كرميلي في الحرب وأكد أن معظم محتويات سيارات قافلة آذار تم العثور عليها في بيوت الكابري واسترجاعها.

حكاية مثلث الكرمل.. من دفاتر النكبة (5)



 من دفاتر النكبة (5): حكاية مثلث الكرمل..

د.مصطفى كبها/ خاص بـ عــ48ـرب

عين غزال كانت هنا..

تظهر تسمية المثلث في القاموس الجغرافي - السياسي الفلسطيني في العديد من المناطق والسياقات التاريخية. فالمثلث الكبير هو مثلث المدن جنين – نابلسطولكرم، وهي تسمية بريطانية أطلقها البريطانيون على هذه المنطقة في فترة الانتداب وقد شاع استعمالها أثناء ثورة 1936 -1939 والتي شكلت هذه المنطقة أهم بؤرها.


في أثناء نكبة وحرب 1948 دعيت منطقتان باسم المثلث؛ الأولى مثلث الساحل التي عرفت أيضاً باسم مثلث الكرمل وأطلق عليه مصممو الرأي العام اليهودي آنذاك اسم مثلث الرعب أو المثلث الصغير. أما المنطقة الثانية فهي المنطقة التي تم سلخها عن المثلث الكبير وضمها لإسرائيل في شهر أيار 1949 وذلك تنفيذاً لاتفاقية الهدنة في رودس، والتي أبرمت بين إسرائيل والأردن في نيسان 1949، والتسمية هنا تسمية مجازية لأن شكل هذا القطاع لا يمت لشكل المثلث بأية صلة فهو عبارة عن شريط طوله 70 كم وعرضه بالمعدل 5 كم.

ينصب حديثنا في هذه المقالة حول قصة مثلث الساحل وقصة صموده أمام الهجمات اليهودية المتتالية منذ سقوط حيفا، المدينة الأم، في الثاني والعشرين من نيسان 1948 وحتى الرابع والعشرين من تموز 1948، حيث سقطت قرى هذه المنطقة تحت وطأة القصف الجوي المركّز.

ضمت هذه المنطقة قرى إجزم وعين غزال وجبع والمزار وعين حوض التي كانت تقع على المنحدرات الجنوبية الغربية لجبال الكرمل ونقطة لقائها مع السهل الساحلي جنوبي حيفا. والمنطقة منطقة إستراتيجية تقع على الطريق الرئيسي الذي ربط حيفا مع منطقتي المركز والجنوب.

كانت إجزم هي أكبر هذه القرى من حيث عدد السكان والأراضي (سكنها عشية النكبة قرابة 4000 نسمة وكانت مساحة أراضيها قرابة 45000 دونم ) وهي أكثر هذه القرى بعداً عن البحر (5كم ) وقد كانت تقع على هضبة داخلية منبسطة من هضاب الكرمل الغربية. وقد كان لها مركز إداري مؤثر في الفترة العثمانية المتأخرة. هذا مع العلم أنه كان لاجزم بعض الخرب الملحقة بها كخربة الماقورة وخربة الفشة وخربة المنارة وخربة أم الدرج وكان بعضها مأهولاً بالسكان.

أما عين غزال فقد وقعت إلى الغرب من إجزم مع ميل طفيف نحو الجنوب وقد بلغ عدد سكانها عشية النكبة قرابة 3200 نسمة، ومجموع مساحة أراضيها نحو 23000 دونم. وقعت المزار وعين حوض إلى الشمال من إجزم وقد بلغ عدد سكان الأولى عشية النكبة قرابة 250 نسمة وبلغت مساحة أراضيها قرابة 8000 دونم، في حين بلغ عدد سكان عين حوض قرابة 800 نسمة ومساحة أراضيها 15000 دونم. أما جبع فقد بلغ عدد سكانها 1300 نسمة، في حين بلغت مساحة أراضيها قرابة 7000 دونم.

بحكم قرب هذه القرى من مدينة حيفا والطرق الرئيسية، فقد ذاقت طعم الحداثة بفترة مبكرة نسبياً (قياساً لباقي مناطق الأرياف الفلسطينية) وعليه فقد كان سكانها على علاقة مع عمليات التحول الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وقد برزت فيها بعض الشخصيات البارزة في هذه المجالات في الفترة العثمانية المتأخرة وفترة الانتداب كالشيخ يوسف النبهاني والمحامي معين الماضي من إجزم والكاتب الموسوعي إحسان عباس من عين غزال وغيرهم الكثيرين.

كما وكان لهذه المنطقة نشاط ملحوظ في الكفاح الوطني الفلسطيني في فترة الانتداب خاصة أثناء ثورة 1936 -1939 حيث نشط فيها أكثر من فصيل مسلح ( فصائل أحمد عبد المعطي، أحمد زيدان وعبد القادر أبو حمدة من اجزم، صبري الماضي من المزار، زيدان أبو الهيجا من عين حوض وسليمان الصعبي من عين غزال)، عملت هذه الفصائل جميعها في منطقة القيادة التابعة للشيخ عطية عوض من بلد الشيخ وبعده الشيخ يوسف أبو درة من السيلة الحارثية. وقد قدمت المنطقة ما يقارب الثلاثين شهيداً أثناء الثورة.

بعد صدور قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 وبدء الصدامات المسلحة بين العرب واليهود، تشكلت في قرى المنطقة فرق للحراسة والمقاومة وقد كانت نواتها من قدماء فصائل ثورة 1936 -1939 ومن أعضاء النوادي التابعة لمنظمة النجادة التي تلقى أعضاؤها التدريبات العسكرية الأولية، كما وتواجدت هناك بعض المفارز التابعة لجيش الإنقاذ من المتطوعين السوريين والعراقيين والفلسطينيين.

تعرضت قرى المنطقة لهجمات يهودية محدودة في شباط وآذار 1948، وقد أخذت هذه الهجمات بالازدياد بعد سقوط حيفا بغرض تأمين المواصلات اليهودية على طريق حيفا – يافا القديم. على اثر ذلك قام المسلحون في هذه القرى بضرب المواصلات اليهودية على هذا الطريق ومن ثم قطع المرور نهائياً في أيار 1948. حاولت القوات الإسرائيلية فتح الشارع أكثر من مرة، بل أنها حاولت كسر الروح المعنوية لمقاتلي القرى من خلال محاصرتها وقصفها بشكل متقطع، ثم تطورت هذه الهجومات بعد سقوط قرية طيرة الكرمل المجاورة في السادس عشر من تموز 1948 وتضييق الخناق على تلك القرى.

وقد أفشل المقاومون هجومين بريين محدودين في الثامن والتاسع عشر من تموز، ولكن ذلك لم يمنع القوات الإسرائيلية من معاودة الكرّة في الفترة الواقعة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من تموز، وهذه المرة بمساندة سلاح الجو الذي بدأ يمهد للهجوم بقصف تلك القرى منذ الحادي والعشرين من تموز، وقد نجح بدك مواقع المدافعين دكاً، ولم يترك لهم هذه المرة أيه فرصة لصد الهجوم.

وقع الهجوم الإسرائيلي في فترة الهدنة الثانية التي تم التوصل إليها بوساطة دولية وقد أطلق عليه اسم عملية شوطير أي عملية الشرطي ( قد يكون أصل التسمية جاء ليصف هدف القوات الإسرائيلية المعلن، كما رددته وسائل الإعلام الإسرائيلية في حينه، وهو عقاب سكان القرى تلك بسبب قطع الشارع الرئيسي وقنص المسافرين اليهود).

وصف عبد الله التل، قائد الجيش الأردني في قطاع القدس، في كتابه كارثة فلسطين (ص 300 ) ما وقع في القرى تلك قائلاً: وقد مهد اليهود لاعتداءاتهم على هذه القرى بأن أخذوا يذيعون أنها تقوم بأعمال تخريبية في إسرائيل وتهاجم طرق مواصلاتهم. وفي 1948. 7. 21 بدأت الطائرات الإسرائيلية تقصف هذه القرى الآمنة التي اطمأنت إلى الهدنة. وقد استمر قصف القوات اليهودية لها عدة أيام زحف بعدها الجيش اليهودي فاحتل هذه القرى بعدما انسحب منها أغلب أهلها وأسر الباقون وقتل منهم ما يزيد على مائة، وأزالوا جبع وعين غزال من الوجود. وقد ادعى اليهود أنهم إنما يقومون بأعمال بوليسية لحماية دولتهم، ولم تنفع شكوى العرب، ولا تحقيقات هيئة الرقابة وتقاريرهم.

أما المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس فيصف ما حصل في كتابه نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين (ص 285 في النص العبري) قائلاً: كانت العملية الكبرى ]في فترة الهدنة[ تلك التي هاجمت فيها قوات من ألوية ألكسندروني، كرميلي وجولاني في الرابع والعشرين والسادس والعشرين من تموز المنطقة المسماة المثلث الصغير في المنحدرات الغربية للكرمل، وفيه القرى الكبيرة الثلاث جبع، إجزم وعين غزال. في هذه القرى التي أشرفت على مسافة من الجزء الشمالي لشارع تل أبيب – حيفا.

وحسب التقدير الإسرائيلي، تواجدت في هذه القرى قوات غير نظامية، في حين نجح القناصون من هذه القرى بتشويش حركة المواصلات اليهودية على هذا الشارع منذ بداية الحرب.... في الثامن عشر من تموز قتل مسافران يهوديان بالقرب من جبع، بعد هذه الحادثة تم تحذير السكان بأن يستسلموا أو يخلوا القرى، وقد رفضوا الاقتراحين كما يبدو تحت تأثير قوات غير نظامية كانت متواجدة هناك.

في الثامن عشر والتاسع عشر من تموز قام الجيش الإسرائيلي بهجوم أول على القرى وقد تم إفشال هذا الهجوم. بعد ذلك بدأت سلسلة من القصف المتقطع من البر ومن الجو. في الرابع والعشرين من نفس الشهر كان الهجوم النهائي الذي تمت تسميته شوطير قبل ذلك هرب معظم السكان، وغداة بدء الهجوم قصفت القرى بنيران شديدة من المدافع والطائرات (لقد كذب موشيه شرتوك وزير الخارجية عندما قال للوسيط الدولي في الثامن والعشرين من أيلول بأنه لم يتم استعمال الطائرات في الهجوم ). في موجات الهجوم المختلفة على تلك القرى قتل العشرات من المدنيين والمسلحين وبعض اللاجئين الذين جاؤوا إليها من قرى أخرى.

لقد واكبت عملية احتلال هذه القرى وتهجير سكانها اتهامات وشكاوى من قبل مهجري القرى أنفسهم وممثلي الجامعة العربية حول أعمال قتل وحرق لجثث ما يقارب 30 شخصاً (معظمهم لاجئون من قرية الطيرة ) قامت بها القوات المهاجمة خاصة في قرية عين غزال. وقد فحص الوسيط الدولي هذه الشكاوى وكتب في تقرير قدمه لمجلس الأمن أن الفحص الذي قام به رجاله لم يكن بوسعه أن يثبت حصول تلك التجاوزات. كما جاء في ذلك التقرير: لم يكن للهجوم الإسرائيلي ما يبرره، خاصة أنه كان هناك اقتراح من سكان القرى للتفاوض. ولكن القوات الإسرائيلية أجبرت السكان على ترك قراهم.

كما ونوه التقرير إلى الهدم المبرمج لجبع وعين غزال، ودعا إسرائيل إلى إعادة السكان إلى بيوتهم وتعويض كل أولئك الذين تضررت بيوتهم. لم تفح هذه الأقوال بإقناع السلطات الإسرائيلية بإرجاع اللاجئين إلى قراهم، بل إنها بادرت إلى طرد القليلين من سكان إجزم الذين بقوا في بيوتهم حتى عام 1951، هذا مع العلم أنها لم تنف قضية حرق الجثث في عين غزال، حيث قال ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة إن الجيش الإسرائيلي قام بحرق 25 -30 جثة وجدت في عين غزال في الخامس والعشرين من تموز وهي في وضع تعفن متقدم .

لقد أكدت روايات شفوية جمعتها من بعض سكان هذه القرى أن العديد من المدنيين والمدافعين ماتوا حرقاً تحت وطأة القصف الجوي الذي تعرضت له هذه القرى، وقد كانوا بلا غطاء جوي يمنع عنهم حمم الطائرات المهاجمة.

لجأ الكثيرون من سكان هذه القرى إلى العراق ( كان ذلك بسبب العلاقات الخاصة التي ربطت السكان ببعض مفارز من المتطوعين العراقيين الذين شاركوا بالدفاع عن تلك القرى أو ساهموا بجلب المؤن لها، أثناء فترة الحصار، من وادي عارة حيث كانت تعسكر بعض وحدات الجيش العراقي). كما وتتواجد أعداد منهم في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية والأردن ولبنان وبعض القرى العربية داخل الخط الأخضر.

تهجير القرى العربية في النقب عام 1948 : منطقة الشريعة كحالة بحث.. من دفاتر النكبة (4)

من دفاتر النكبة (4): تهجير القرى العربية في النقب عام 1948 : منطقة الشريعة كحالة بحث..

د.مصطفى كبها/ خاص بـ عــ48ـرب

الشريعة في النقب...
تعاني الرواية الفلسطينية للنكبة، في كل ما يتعلق بعملية تهجير القرى العربية في النقب، من النقص الشديد بل يمكننا القول بأنها تقاسي الكثير من التغييب والتجاهل، الشيء الذي ينعكس، إلى حد كبير، على معالجة قضايا أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في النقب الملتهبة هذه الأيام.

تتجاهل معظم المصادر الفلسطينية المعتمدة في هذا المجال العدد الدقيق للقرى العربية المهجرة في النقب. بعضها يحصرها في أربع قرى والبعض الآخر بتسع، والبعض الآخر يغالي قليلاً فيعطي الرقم 88. والأنكى من ذلك أن نسبة ليست قليلة من هذه المصادر تتجاهل مدينة بئر السبع الحاضرة المدنية الأهم لهذه المنطقة منذ إقامتها من قبل العثمانيين في مطلع القرن العشرين وجعلها عاصمة للقضاء.

وكما يبدو، فإن مسألة حصر عدد القرى العربية المهجرة في النقب ستتطلب من الباحثين والدارسين جهداً أكبر بكثير مما يبذلونه اليوم وذلك للتكشف لنا صورة ما جرى هناك بشكل أوضح.

في مقالتنا هذه سنحاول الوقوف على تفاصيل وآليات التهجير لمنطقة الشريعة، وهي إحدى المناطق المغيبة في رواية التهجير والنكبة، آملين أن نعطي بذلك عينة دراسة مختارة يمكن أن تكون ممثلة لما جرى في باقي المناطق المغيبة.

كانت منطقة الشريعة، الواقعة غربي مدينة بئر السبع وعلى بعد 15 كم إلى الشرق من شاطئ البحر المتوسط، تجمع بعض تجمعات القبائل العربية التي انضوت تحت لواء عشيرة قديرات الصانع، وضمت كلاً من حمائل أبو بدر، أبو سعد، أبو خبيزة، أبو عبيّد، أبو عبلة، أبو مسامح وأبو دحل، وغيرها العديد من الحمائل والبطون والتي كان بعضها قد مر بعملية من التوطين والبناء في أماكن سكن ثابتة منذ أواخر العهد العثماني، واستمرت هذه العملية طيلة فترة الانتداب البريطاني من خلال علاقات تجارية وزراعية وتعليمية طورها سكان المنطقة مع الحواضر المدينية القريبة غزة وبئر السبع والخليل.

شارك أبناء هذه العشائر في النشاط الوطني الفلسطيني منذ بداياته، وفي ثورة 1936 -1939 كان الشيخ إبراهيم الصانع (من أوائل المتعلمين في المنطقة وخريج استانبول) مضيفاً للثوار ومنظماً لهم.

وقد روى لي الشيخ حسن إبراهيم الصانع (من مواليد 1931 ) في مقابلة أجريتها معه في الخامس عشر من أيار 2008 بأن الشيخ إبراهيم عقد وليمة في بيته في نهاية عام 1935 للحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين والديار القدسية ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك، ودعا إليها كافة مشايخ المنطقة الذين أقسموا أمامه وأمام الحاج أمين على المصحف والسيف بعدم بيع الأرض لليهود. وخوفاً من تزييف ختمه وعقد صفقات مزيفة باسمه وضع الختم على فوهة البندقية وأطلق النار كي يعلم القاصي والداني بأنه لن يوقع على أية صفقة أو وثيقة رسمية بعد ذلك .

وفي أثناء الثورة تكون في المنطقة فصيل مسلح عمل تحت قيادة الحاج حسن الإفرنجي الذي كان ذا ميول دينية وانتمى في نهاية الأربعينيات لحركة الأخوان المسلمين التي ساهمت بعض فصائلها المسلحة في معركة الدفاع عن بئر السبع والتي انتهت بسقوط المدينة وتهجير أهلها في الأسبوع الأخير من شهر تشرين أول عام 1948.

وعن تهجير سكان الشريعة/ الزمارة يضيف الحاج حسن: عند سقوط بئر السبع كنا ما زلنا موجودين في زمارة، وقسم منا كان موجوداً في اللقية، جاء إلينا رجلان يمثلان السلطة الجديدة واشتريا منا الحبوب، تركونا في أماكننا لفترة وجيزة، ولكنهما عادا وطالبانا بالرحيل بحجة قربنا من الحدود المصرية، وما يمكن لذلك أن يسبب من أخطار. بعدها تم تهجيرنا عنوة إلى اللقية، وأثناء عملية التهجير استشهد كل من عبد ربه جمعة الإفرنجي وأبو الوليد الوحيدي كما وأصيب بجراح خليل إبراهيم الصانع، هذا إضافة لسليمان محمد أبو بدر الذي كان من بين الذين استشهدوا مدافعين عن مدينة بئر السبع. كما وقامت السلطات الإسرائيلية،أثناء عملية التهجير، باعتقال كل من محمد إبراهيم الصانع وإبراهيم إسماعيل أبو سامح (أبو جابر).

في ربيع عام 1952 تعرض أبناء العشيرة الذين كانوا قد تجمعوا في اللقية إلى عملية تهجير ثانية، جرى من خلالها تهجيرهم إلى منطقة الرهوة (جنوبي منطقة الخليل) على حدود الضفة الغربية، التي كانت آنذاك تحت السيطرة الأردنية. أثناء عملية التهجير جرى اعتقال مجموعة من الرجال كان منهم : علي أبو عبيد، محمد محمود الجعّار، سعيد عبد الله الصانع وربيع أبو عصيدة وقد تم إيداعهم في سجن بئر السبع المركزي وقد ربطت السلطات أمر إطلاق سراحهم بموافقتهم على التهجير الطوعي ومن وافق على التهجير تم إطلاق سراحه.

في هذه الفترة قدم الشيخ إبراهيم الصانع التماساً، من خلال المحامي حاييم كازوتس، للمحكمة العليا الإسرائيلية طالباً فيه إلغاء أمر الترحيل، ولكن السلطات لم تنتظر حتى تبت المحكمة بأمر الالتماس، بل قامت بإحضار الشاحنات التي نقلت السكان إلى غزة ومنطقة الرهوة.

عن عملية التهجير هذه حدثني عليّان محمد إبراهيم الصانع (مواليد 1944 ) في مقابلة أجريتها معه في منتصف أيار 2008، حيث قال: في البداية جرى حصار تام للسكان شهراً كاملاً دون السماح بإدخال أي طعام أو شراب تحت دعوى مقتل بعض اليهود واتهام أبناء العشيرة بالمشاركة في عمليات التهريب. بعدها جاء الجنود يركبون الشاحنات والجيبات والتنادر وحملوا السكان تحت تهديد العصي وتم إنزالهم في منطقة الرهوة. هناك قمنا ببناء مخيم للاجئين ومكثنا فيه أربعين يوماً. في هذه الأثناء صدر قرار المحكمة العليا القاضي بإلزام الحكومة الإسرائيلية بإرجاعنا إلى اللقية وقد ساعد على ذلك رفض الحكومة الأردنية القاطع لاستقبالنا. قبلت الحكومة الإسرائيلية القرار على مضض ولكنها نفذته بشكل جزئي، حيث لم تقبل إعادتنا إلى اللقية بل قامت بتهجيرنا للمرة الثالثة وهذه المرة إلى منطقة تل عراد القاحلة. تغلب السكان هناك على الظروف الصعبة فحفروا الآبار وأقاموا السدود وزرعوا الفواكه والخضار. أما الأبناء فتعلموا بداية في الكتاب، ثم قام الآباء بإرسالهم للدراسة في مدرسة كفر قاسم في المثلث الجنوبي حيث تولى مختار كفر قاسم آنذاك، المرحوم وديع صرصور، أمر إقامتهم.

لم تكن الإقامة في تل عراد آخر المطاف في سلسلة تهجير العشيرة، فبعد إقامة هناك، مدتها خمسة وعشرون عاماً، لم تفلح هذه المدة الطويلة بإقناع الحكومة بالاعتراف بهم كنقطة سكنى شرعية بمعنى ربطهم بشرايين الحياة الحديثة وتمتعهم بحقوق مواطنتهم. حيث مارست سلسلة من الضغوطات الهادفة إلى تجميع التجمعات السكانية العربية في النقب عدد محدود من القرى والبلدات بشكل يقلص إلى حد كبير مساحة الأراضي التي بحوزتهم ويقومون باستعمالها منذ مئات السنين. وقد تم التوصل في النهاية إلى تسوية يعود من خلالها أبناء عشيرة القديرات إلى اللقية التي كانوا قد هجروا منها عام 1952.