بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-09-26

طوائف يهودية "الدونمة"

طوائف يهودية "الدونمة"

الدونمــة

القارئ لتاريخ هذه الطائفة اليهودية سيجد تشابه كبير بينهم وبين ظهور المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر الى المدينة المنورة، فالقصة تكاد تكون متطابقة، والهدف كاد ان يكون مرسوم من شخص واحد، فهم طائفتان باطنيتان، كان دخولهم في الاسلام تمويه وتورية، ظاهرهم الاسلام وباطنهم الكفر و الكيد للإسلام و المسلمين، فهم متشابهون في كثير من الخصال.

فالخداع سمة من سماتهم، وقد بين الله تعالى هذه الصفة الذميمة في كتابه حيث قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) كذلك من صفاتهم الكذب قال تعالى(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ، لذلك وعد الله المنافقين عذابا خالدين فيه بسبب تحاملهم على الاسلام و العمل على هدمه وقتل اتباعه فكان عذابهم من جنس العمل. قال تعالى : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا).

التعريف:

ان من دهاء اليهود العمل للوصول الى البلاط الملكي او ديوان الحاكم، حتى يعملوا من خلاله على تحقيق اهدافهم الدنيئة والتي تخدم مصالحهم الشخصية سواء كانت تجارية او سياسية او دينية، بالإضافة الى خدمة مصالح نظرائهم اليهود في تلك الدولة.

تعني كلمة دونمة في اللغة التركية: الرجوع او العودة ( المرتد عن دينه ) واطلق اليهود هذا المصطلح على جماعة من اليهود الاتراك الذين دخلوا في الاسلام بعد دخول قائد هذه الجماعة واسمه ( بشتاي تسفي )، وهم ينحدرون من اليهود السفار ديم الذي طردوا من إسبانيا خلال محاكم التفتيش الإسبانية في القرن السادس والسابع عشر الميلادي، وذلك بعد تسوية مع الإمبراطورية العثمانية التي رحبت بهم كلاجئين.

وتعتقد هذه الطائفة ان بشتاي هو نفسه ( الماشيح ) او باللغة العربية المسيح المخلص، واعتقادهم بانه لم يدخل الاسلام ردة او كفر باليهودية بل بأمر من الله لهدف خفي، فما كان من هذه الطائفة الا تقليده والدخول في الاسلام معه.

كانوا وراء تكوين (جماعة الاتحاد والترقي) التي كان جل أعضائها منهم، ويعتقد ان رئيس تركيا الاول بعد اسقاط الخلافة العثمانية مصطفى اتاتورك يتبع هذه الطائفة وهو من سلالة مؤسس الطائفة ( تسفي ) والذي وصفت هذه الجماعة السلطان عبدالحميد بالحاكم العثماني الطاغية والمجرم، الا ان جريمته الحقيقية كانت عدم تلبية طلب الزعيم الصهيوني ثيودور هرتزل خلال زيارته للسلطان عام 1901 والذي رفض طلبه وطلب الدونمة وأموالهم المعروضة في مقابل منح الصهاينة فلسطين والسيطرة على القدس.

ومن هؤلاء كان توفيق روستو مستشار لأتاتورك وشغل منصب وزير الخارجية التركية 1925-1938، هذا بالإضافة لسيطرتها على الاقتصاد والاعلام وهذا الحقل الاخير كانت السيطرة عليه كبيرة جدا بداية بالصحف التركية ومن اهمها جريدة( حريت ) ووصولا الى اشهر واهم القنوات التركية، ولا زالت هذه الفئة تتحكم في حصة كبيرة من تركيا، ولن أتعجب ان كان لهم يد في المسلسلات التركية التي ظهرت في القنوات العربية منذ خمس سنوات!
(وليس غريبا أن يعيد التاريخ نفسه)

حقيقة الاعتقاد:

علما بانهم دخلوا الاسلام في الظاهر الا إنهم كانوا يزاولون ويمارسون طقوسهم وصلواتهم اليهودية في الخفاء، ولم يتنازلوا عن عقيدتهم الأم، وكما يعتقدون ان شبتاي هو المشيح، فانهم كذلك يعتقدون بانه ابطل الوصايا العشر في الدين اليهودي ( الوصايا العشر هي الأوامر والنواهي في النواحي الفقهية كالزواج والاكل والشرب والتجارة ...الخ ) فبالتالي افرغ التوراة من محتواها الديني. كما انهم يحرمون مناكحة المسلمين، ولا يستطيع الفرد منهم التعرف على حياة الطائفة وأفكارها إلا بعد الزواج.

طقوسهم وسريتهم:

كان يهود الدونمة يتمركزون في تركيا في منطقة أضنة الا انهم انتقلوا الى اليونان عندما كانت تحت الخلافة العثمانية في منطقة سالونيكا، وكان يهود الدونمة يتعمدون التسمي باسمين (اسم تركي مسلم واسم يهودي ) فيعرف في المجتمع العثماني باسمه المسلم، اما في مجتمعه السري فيعرف باسمه اليهودي، وكانوا يعتبرون انفسهم يهودا وليسوا بمسلمين، ويستفتون الحاخامات في مسائلهم العقائدية والفقهية، ويحتفلون بأعياد اليهود، واضافوا الى اعيادهم عيد ميلاد بشتاي تسفي واعتبروه اقدس الاعياد عندهم ( عندهم اكثر من 20 عيد)، ومن طقوس احد اعيادهم الاحتفال بإطفاء الأنوار وارتكاب الفواحش، ويعتقدون أن مواليد تلك الليلة مباركون، ويكتسبون نوعاً من القدسية بين أفراد الدونمة، كما انهم يهاجمون حجاب المرأة ويدعون إلى السفور والتحلل من القيم ويدعون إلى التعليم المختلط لإفساد شبابها.

ولتبنيهم السرية في تعاملاتهم كانوا يطبعون كتبهم بأحجام صغيرة حتى تسهل عليهم اخفائها واستخدامها في مناسباتهم، وكانوا يقيمون جميع الشعائر اليهودية الا عطلة السبت حتى لا يثيروا انتباه العثمانيون، ومن تعصبهم باليهودية كانوا يقيمون هذه الشعائر في اللغة العبرية وليست بالتركية.

الانحلال الخلقي:

انغمست هذه الطائفة بالانحلال الخلقي الشنيع، فبعد ان ألغى بشتاي الوصايا العشرة، اتجهت هذه الطائفة رويدا رويدا نحو الانحلال والشذوذ الاخلاقي والجنسي، فاحلوا الزيجات المحرمة في شريعتهم، وبسبب كثرة الحفلات والاعياد والمناسبات وصل الانحلال الخلقي عندهم إلى تبادل الزوجات في الاحتفالات حتى أصبح امرا شائعا لا يستنك ، فان الصيغة ( الخاصة بهم ) من الوصايا العشر، لا تحرم الزنى، فقد حولوا صيغة ( لا تزني ) في الوصايا الى التحفظ عن الزنى وليس الامتناع عنه. وقد اشتهر عنهم انهم يقيمون احتفالات تقرب الى الدعارة في احد اعيادهم المسمى بـ ( عيد الحمل ) في 22 مارس من كل عام.

فرق الدونمة:

بعد موت بشتاي أو ما يسمونه كما أسلفنا بالمشيح، افترقت هذه الطائفة إلى عدة فرق منها:

اليعقوبية: بعد موت بشتاي، قامت احدى زوجاته بالإعلان عن ان روح بشتاي احلت في أخيها يعقوب، وان بشتاي تجسد فيه. وحيث انهم يظهرون الاسلام، قام يعقوب مع جمع من طائفته بالحج الى مكة ومات في طريق العودة، كما يطلق عليهم بحليقي الرأس، وذلك لحلق رؤوسهم واطلاق لحاهم، وكان يطلق عليهم الاتراك ( الطربوشلوه ) أي لابسي الطربوش.

القنهيلية: ظهر رجل آخر اسمه الحاخام باروخيا ادعى ان بشتاي تجسد به وانه هو ربهم، وقد وضع المسائل الفقهية الى اوامر واجبة الطاعة منها العلاقات الجنسية والعلاقات المحرمة، وكانوا يطلقون لحاهم وشعورهم، ويقال ان جميع الحلاقين في سالونيكا هم من هذه الطائفة، وتعتبر هذه الطائفة من أكثر فرق الدونمة تطرفا بسبب انحلالها الاخلاقي.

وقد وصل احد اعضاء هذه الطائفة الى منصب وزيرا للمالية والمسمى ( بداود بك ) وهو من سلالة الحاخام باروخيا قبل سقوط الخلافة العثمانية بقليل، وهناك دلائل تشير الى ان هذه الطائفة لا تزال تنشط في تركيا وان قائدها كان استاذ في جامعة استانبول.

القبانجي: اي القدماء باللغة التركية، فقد قامت هذه الطائفة بالعودة الى تعاليم بشتاي السابقة ورفضوا الاعتراف بالطوائف التي ظهرت بعد موته، ويتبع هذه الطائفة المتعلمون واصحاب المهن الحرة والاثرياء.

انتقالهم الى تركيا:

بعد ان خسرت الخلافة العثمانية الحرب العالمية الاولى عام 1924 تم توقيع اتفاقية بين تركيا واليونان انتقال المسلمين من اليونان إلى تركيا، وبما أن الدونمة كانوا يعتبرون مسلمين فكانوا ممن انتقلوا من منطقة سالونيكا الى تركيا وخصوصا في استانبول، وقد حاول اليهود الانتقال الى فلسطين المحتلة الا ان الكيان الصهيوني ومن قبل السلطات الحاخامية اليهودية الرئيسية في العالم لأنها ضد معتقداتهم بعد أن خرجوا وتزاوجوا من خارج الطائفة، فرفض طلبهم باعتبارهم ابناء زنا او غير شرعيين( فضيعوا دينهم ودنياهم).

ومن عجائب الدهر ان السطان العثماني عبد الحميد بعد عزله بواسطة أتاتورك والدونمة سجنوه في موطنهم سالونيكا وتوفي فيها عام 1918، وبعد هذا التاريخ بثلاث سنوات ورث الصهاينة فلسطين واصبحت لليهود بعد وعد بلفور .

افتضاح امرهم:

داومت الحكومة التركية لعقود على اخفاء كل ما يتعلق من معلومات بالدولة التركية الحديثة بخصوص جذور أتاتورك اليهودية, الا أن بعض الكتاب من خارج تركيا كتبوا عن هذه الطائفة, ففي كتاب عام 1973، وفي كتاب " اليهود السريين" للحاخام يواكيم برنز يقول( أن أتاتورك ووزير المالية ديفيد بايفي تركيا هم من الدونمة الملتزمين وأنهم كانوا في شراكة جيدة فيما بينهم وأن العديد من الشباب الأتراك في مجلس الوزراء الثورية التي شكلت حديثاً تصلي لله ولكن رسولها الحقيقي شبتاي زيفي مسيح سميرنا).

وكتب هيلل هالكين في 28 يناير 1994 في صحيفة النيويورك صن( أن أتاتورك كان يتلو التلاوة اليهودية )المسماة بـ(شيما إسرائيل) "أسمع يا إسرائيل" وأنها ايضاً كانت من صلاته هو أيضاً.. ويقول هالكين: "

(أتاتورك يبدو أنه كان يخجل من خلفيته اليهودية. خبئ ذلك لأنه كان يمكن أن يكون انتحارا سياسيا له، والدولة العلمانية التركية تركته يخفي ذلك أيضا، ومعها مذكراته الشخصية، والذي لم تنشر أبدا وبنية مقصودة ظلت سرا من أسرار الدولة كل هذه السنوات).

ويقول الكاتب:( ليس هناك حاجة لإخفائه لفترة أطول فقد فازت الثورة المضادة الإسلامية اليوم في تركيا حتى من دون التعرض لها) وسرد هالكين ما نشره الصحفي اتمار بن ايفي من معلومات عن السيرة الذاتية لأتاتورك وأنه كان شاباً برتبة كابتن في الجيش التركي وأنه يهودي التحق بمدرسة سيمسي افندي ويقول هيلل(شيء واحد اكتشف، وكتب، أن أتاتورك سافر بالفعل في أواخر فصل الشتاء من عام 1911 إلى مصر قادما من دمشق في طريقه للانضمام الى القوات التركية التي تقاتل الجيش الإيطالي في ليبيا، وهو الطريق الذي كان قد اتخذ له من خلال القدس فقط عندما التقى به ايفي هناك. وعلاوة على ذلك، في عام 1911 كان في الواقع ضابط برتبة نقيب، مولع بالكحول، والتي عرفها آيفي عنه عندما كتب سيرته الذاتية، وهي موثقة جيدا.

ولا يوجد مثقال ذرة من شك أن عائلة ووالد أتاتورك كان في الواقع من مخزون اليهودية). يمكن الرجوع الى نص الكلمة في صحيفة The New York Sun.
(وليس غريبا أن يعيد التاريخ نفسه)
ياسر درويش أحمد

حملة صهيونية لجمع التبرعات لبناء ’’الهيكل المزعوم’’ على مساحة المسجد الأقصى


حملة صهيونية لجمع التبرعات لبناء ’’الهيكل المزعوم’’ على مساحة المسجد الأقصى
انطلاق حملة كبيرة لدى الصهاينة لجمع التبرعات لبناء " الهيكل المزعوم" على مساحة المسجد الأقصى

انطلقت في الأيام الأخيرة حملة عالمية كبيرة تبناها " معهد الهيكل" في دولة الكيان الصهيوني الغاصب لجمع التبرعات لبناء " الهيكل اليهودي المزعوم" على مساحة المسجد الأقصى، وفي السياق ذاته رافقت الحملة تغطية إعلامية من " القناة الإسرائيلية الأولى".

وجاء في تصريح الحاخام "حاييم ريتشمان" مدير الدائرة العالمية في "معهد الهيكل" الذي يتبنى الدفع بهذا الملف إلى الأمام؛ قال: وبعد أن قمنا بوضع مخططات عامة بخصوص بعض الأبنية في مساحة الهيكل، بدأنا اليوم العمل على المخططات التفصيلية، وهي لا شك مكلفة جدا.

كما قام معهد الهيكل بإنتاج فيلما دعائيا قصيرا، تم تعميمه على مواقع وشبكات الانترنت الخاصة بالترويج والتسويق العالمي، فيه مشاهد تشير إلى تنسيق وتعاون كبير بين مكونات المجتمع اليهودي ارسمي والشعبي.

اسطورة الماسادا بين الواقع التاريخي والاسطورة... تاريخ العنف السياسي

اسطورة الماسادا بين الواقع التاريخي والاسطورة... تاريخ العنف السياسي
ناخمان بن يهودا/ مؤرخ جديد يوضح الحقيقة ويتبناها.
وهو استاذ الاجتماع في الجامعة العبرية. اطلع على دراسة رابوبورت في العام 1987 في سياق بحثه عن تاريخ الاغتيالات السياسية في المنطقة. او بلغة الاختصاص “تاريخ العنف السياسي”. ولما اكتشف ناخمان حقيقة جماعة السيكارى تعمق في دراستها وبالاطلاع على المعلومات المتوافرة عنها. فوجد ان اعضاء هذه الجماعة كانوا من اليهود المعادين للمجتمع والمنبوذين من الجميع. حتى من اليهود انفسهم. الذين طردوهم من القدس مما اضطرهم للجوء الى حصن الماسادا قبل فترة طويلة من الغزو الروماني. وكانوا خلال هذه الفترة (الفاصلة بين طردهم وبين تدمير الرومان للقدس) يشنون غارات على القرى اليهوديةالمجاورة وينهبونها ويرتكبون مجازر بشعة بحق سكانها.

1- ويتابع ناخمان بأن قرار ابعادهم عن القدس هو الذي أخر حصار الرومان لهم حتى العام 73 ميلادية. ويقدر بأن مدة الحصار تراوحت ما بين 4 و8 أشهر الى ان سقط الحصن. وهو يستند في تقديره هذا الى مؤرخ قديم يدعى “يوسف فلافيوس” الذي يورد بأن الفيلق الرومان العاشر بقيادة “فلافيوس سيلفا” هو الذي قام بحصار الماسادا. وكان في الحصن 967 يهودياً بمن فيهم النساء والاطفال. ولما اشتد الحصار امر قائد السيكارى (اليعازر بن يائير) اتباعه بقتل بعضهم البعض خوفاً من انتقام الرومان ان هم اسروهم. ويقول هذا المؤرخ بأن سبعة اشخاص فقط نجوا من هذه المذبحة.

2 ـ ارهاب السيكارى: تشتق كلمة السيكارى من الكلمة العبرية “سيكا” وتعني الخنجر. وسميت الجماعة بهذا الاسم لان افرادها كانوا يخفون خنجراً تحت ملابسهم. ثم يستلونه لقتل ضحاياهم. وكانوا يستغلون فترة الاعياد بصورة خاصة لممارسة إرهابهم. وكان من اوائل واشهر ضحايا هذه الجماعة الارهابية الكاهن الاكبر “يوناثان بن هامان”.

3 ـ الماسادا بين الواقع التاريخي والاسطورة: اعاد اليهود اكتشافهم للماسادا (القلعة او الحصن) في العام 1838 وطبقواعليها بامتياز نظرية “التاريخ تأليه معكوس”. وهذه النظرية هي اقرب التفـاسير الشارحـة لتحويـل الماسـادا مـن قصـة جماعــة ارهابية الى اسطورة بطولة!

واذا كان المؤرخ الجديد ناخمان بن يهودا قد اكتفى باجلاء الحقائق التاريخية. فان المسألة لا تزال تحتمل الكثير من فرضيات الجدل الخاصة بهذا التحويل. والموضوعية العلمية تدفعنا الى عرض مختلف هذه الفرضيات. ونبدأ بـ:

أ ـ الفرضيةالفولكلورية: حيث تشكل الماسادا قسماً من التاريخ اليهودي المنتهي في تلك الفترة. ولا بأس من اضافة ثلاث سنوات كاملة اليها مع ابراز يهود الماسادا بصورة المقاومين وطمس صورتهم كإرهابيين وذلك اتماماً للصورة الفولكلورية.

ب ـ فرضية اختلاق التاريخ: وتعتبر قصة الماسادا بمنزلة حلقة من حلقات هذا الاختلاق. وهو يستدعي بطبيعة الحال التركيز على البطولات. خصوصاً بسبب اشتراك المعاناة من الرومان وتحويل الخلافات بين السيكارى وبقية اليهود الى شؤون داخلية.وبهذا يمكن توظيف اسطورة الماسادا توظيفاً صهيونياً. وهذا ما حدث لاحقاً سواء صحت هذه الفرضية ام لا!.

ج ـ فرضية الجهل التاريخي: وتبدو بريئة اكثر من اللازم. الا انها غير قابلة للاستبعاد. فالرومان الغزاة لم يقوموا بدراسات اجتماعية لتصنيف اليهود. وانما كانوا غزاة مهتمين بالاستيلاء على المنطقة.

4 ـ التوظيف الصهيويني للماسادا: جرياً على عادتها تجنبت الصهيونية العديد من الاساطير التوراتية وخصوصاً منها الرافضة لقيام الدولة قبل ظهور الماشيح. وايضاً تلك التي تنزع قناع العلمانية عن الحركة الصهيونية. في المقابل راحت الصهيونية تعيد تأويل بعض هذه الاساطير بما ينسجم مع اهدافها. وهي قد فضلت في كل الاحوال اختراع اساطير جديدة. بمعنى ربط احداث معاصرة باساطير قديمة. مثال ذلك ان الصهيونية عندما تتكلم عن الهولوكوست فانها تدعوه بالثاني مفترضة انه تكرار للهولوكوست الاول (السبي البابلي) متجاهلة طبعاً الاسباب الدافعة للاثنين معاً.

وهكذا فان قصة الماسادا جاءت لتلبي حاجة صهيونية ـ حيوية. وهي الحاجة لاقناع اليهود بان اجدادهم قد فضلوا الموت على مبارحة الارض ومفارقتها عبر الاسر. كما انهم كانوا مقاتلين شجعان ومستعدين للموت.

وبذلك نسجت هذه الاسطورة لمحاججة اصحاب الطروحات اليهودية الداعية (قبل قيام اسرائيل) لاقامة دولة صديقة لجيرانها وبدون حرب. كما انها وظفت كعامل جذب لليهود الذين يعيشون في الشتات تحت ضغوط التفرقة.

ولعل اكبر التوظيفات الصهيونية لهذه الاسطورة كانت في دعمها لتأسيس الحركات الرهابية إبان الحرب العالمية الثانية ومن ثم ادخالها في القسم العسكري الاسرائيلي.

5 ـ التحليل النفسي لاسطورةالماسادا: الاسطورة بحسب التحليل النفسي هي كناية عن تصور هوامي (Fantasmatic) لسلسلة من الاحداث الحقيقية او الخيالية. وهي تختلف عن الرواية التاريخية العادية في عدة صفات. اولها تمتع الاسطورة بصفة التصديق (يصل الىدرجة التقديس احياناً) ويتدعم التصديق بجرعة الرمزية التي تحتويها الاسطورة. وذلك في مقابل الحياد البارد للرواية التاريخية. ثم تنفصل الاسطورة عن الرواية عندما نصل الى البعد الاخلاقي والمغذى الارشادي للاسطورة اللذان يفرضان نفسهما على معتنق الاسطورة. لذلك كان من الصعب بمكان ان تقنع المؤمن باسطورة ما بانها باطلة!

ولقد تصدى ناخمان بن يهودا لهذه المهمة تحديداً في كتابه وفيه يرى ان الاسطورة ـ تحديداً الماسادا ـ هي كناية عن تشويه للواقعة التاريخية. وهي توجه لاحداث تغييرات على مفاهيم معتنقي الاسطورة. ثم يفضح ناخمان توظيفات الصهيونية لاسطورة الماسادا (ذكرناها اعلاه). والتي يمكنن اعتبارها نموذجاً للاساطير المعاد تصنيعها صهيونياً.

في رأينا الشخصي ان اهمية هذا الكتاب تكمن في جملة التحديات التي يطرحها مؤلفه. واهمها التالية:

1 ـ انه يدحض دحضاً تاماً كتاب رئيس الاركان الاسرائيلي السابق “إيغال يادين” الذي اصدره العام 1966 حول الماسادا. حيث ادعى انه استند في كتابه الىحفريات في المنطقة امتدت من 1963 الى

1965 وشارك فيها آلاف من المتطوعين. حيث تجاهل يادين وعن عمد الحقائق التي اوردها المؤرخ “يوسف فلافيوس” حول ارهابية جماعة الماسادا او السيكارى. وهو قد استغل في كتابه هذا موقعه العسكري وقدراته الاعلامية المشهودة حتى كرس الاسطورة وروجها بين كل الطوائف الاسرائيلية. حتى حولها الى حقيقة مسلم بها والى مادة اساسية في جميع المدارس الاسرائيلية. وها هو ناخمان بن يهودا يخرجها من هذه المدارس؟!.

2 ـ انه يوجه ضربة هامة لسياحة يهود الشتات الى اسرائيل. اذ ان غالبية هؤلاء قد زاروا القلعة ليتعرفوا الى مهد الاسطورة ومكانها. وبما ان معظمهم من العلمانيين فان زيارتهم لها كانت فولوكلورية. وهم سيشعرون بالانخداع والغبن لدى اكتشافهم للحقيقة. واكثر منهم زوار المكان من الاجانب.

3 ـ انه يؤسس لتساؤل جماعي في الجيش الاسرائيلي وهو: لماذا نحن نقاتل ونعرض حياتنا للخطر! اترانا نفعل ذلك من اجل اسطورة كاذبة وطلاسم محيطة بها.

4 ـ انه يحول الرأي العام الاسرئيلي باتجاه “الشرق اوسطية” التي دعا اليها رابين. وخلاصتها ان “اسرائيل الكبرى” ليست سوى مجموعة هوامات اسطورية. وان الاصرار عليها سيفقد اسرائيل مبررات وجودها بعد ان تضحد الدراسات الاركيولوجية والتاريخية هذه الاساطير. وعليه يدعو رابين (والمؤرخون الجدد من بطانته) لاقامة “اسرائيل العظمى” التي سمح لها تفوقها التقني، وحاجة المحيط اليها، ليس فقط بالاستمرار ولكن ايضاً بالنمو والازدهار وصولاً الى وضعية “الدولة العظمى”.

وقبل ان ننهي حديثنا عن كتاب ناخمان، وهو من اخطر كتب المؤرخين الجدد، لا بد من التساؤل عن ملامح البطولة والشجاعة، التي تدعيها الاساطير اليهودية، في سلوك اليهودي المعاصر؟. خصوصاً وان اساطير اخرى تدعم اسطورة الماسادا وتنسج على منوالها. ولعل اشهرها اسطورة شمشوم الذي هدم المعبد على نفسه وعلى اعدائه.

اننا لا نجد في السلوك اليهودي المعروف منذ قرون مثل هذه الملامح. ولعلنا لا نبالغ اذا قررنا وجود عكسها تماماً. فهذا مارأيناه عبر شاشات التلفزة العالمية حيث جنود اسرائيليون يبكون وينتحبون للخلاص من الخدمة في الشريط اللبناني الذي كان محتلاً. وحيث مواقفهم خلال حرب 1973 التي لا تدل على اية شجاعة قتالية. عداك عن الذعر الاسرائيلي العام بعد نهاية تلك الحرب. ومعه السؤال الذي لا يزال يتكرر على لسان اليهود في العالم وهو سؤال مرعب بالنسبة لهم: ماذا يحدث لو تكررت ظروف 1973 ولم تكن الولايات المتحدة جاهزة للتدخل من اجل حماية اسرائيل ونصرتها؟!.

ومع ذلك يطالعنا الاسرائيليون بخيار شمشوم خلال حرب 1973 وفيه انهم كانوا على استعداد لاستخدام اسلحتهم النووية لتفتك بالعرب وبهم معاً! في حينه لم يجدوا من يصدقهم! اما الآن وبعد افتضاح اسطورة الماسادا فانهم سيجدون من يسخر منهم. لكن الجميع سيقهقهون ضاحكين بعد انكشاف زيف اسطورة شمشوم نفسها...

حركة المؤرخين الاسرائيليين الجدد -2-

 حركة المؤرخين الاسرائيليين الجدد -2-
6 ـ الأصول التاريخية للحركة

ان معارضة مباديء الحركة الصهيونية من قبل اليهود ليست اختراعاً جديداً! كما ان قيام حركة تنويرية (او شبه) داخل ديانة قديمة ليست بدورها اختراعاً! أيضاً هناك الشبه بين هذه الحركة وحركة الهاكسالاه (على الرغم من اختلاف فهمها للقضية اليهودية كموضوع تغيير). كل هذه الامور تدفعنا للبحث في تاريخ الحركات اليهودية عن اصول نظرية وتجارب سابقة قد تكون مساهمة في بنية الحركة. على ان لا نهمل بحال من الاحوال اختلاف هذه الحركة الرئيسي وهو انها تنطلق من دولة يهودية وتعمل لاستمراريتها. وهذا امر لم يحصل في التاريخ اليهودي منذ العام 70 ميلادية. على أن اول ما يلفتنا في الموضوع هو مصطلح “ المؤرخون الجدد” نفسه. فهذا المصطلح ليس جديداً. اذ نقع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على كتابات ومؤلفات صادرة عما كان يسمى في حينه بـ “حركة المؤرخين الجدد”. ومن هؤلاء نذكر: إ.ماير(وله كتاب اساطير موسى واللاويين ـ طباعة مركز التقارير البرليني (1905) ـ وكتاب اليهود والقبائل المنسية) وإ. سيلن ( وله كتاب موسى واهميته في تاريخ الدين الاسرائيلي ـ اليهودي). لكن هذه الحركة كان تتهتم بالدراسات الاركيولوجية وان كانت تلقت دوراً سياسياً ودينياً شبيهاً بدور الحركة الحالية.

وبالعودة الى حركات التنوير اليهودية فاننا نجد ان حركة ماندلسون قد عملت على تقريب المسافات وتخفيف حدة العداء بين المسيحية واليهودية. ولا شك بأن فلسفة مندلسون لها آثاراً باقية على اليهودية المعاصرة. ويمكن تلخيص الرؤية الماورائية لماندلسون بالنقاط الآتية: 1 ـ الايمان بالله و2 ـ الايمان بالعناية الالهية و3ـ الايمان بخلود الروح.
ولا يخفى تأثر ماندلسون بالفيلسوف الالماني كانط (صاحب الفلسفة النقدية وهو بروتستانتي عاصره ماندلسون). وتعتبر حركة ماندلسون حركة البعث بالنسبة لليهودية المعاصرة. بل انها هي المؤسسة للتيار النقدي اليهودي وللمحاولات اليهودية لاخضاع المسلمات للعقل. وبذلك يمكن القول بأن حركة المؤرخين الجدد (الاركيولوجية) خلال القرن (19) وحركة المؤرخين الجدد الحديثة اضافة الى التيار الاركيولوجي النقدي ـ اليهودي المعاصر هي تجليات لحركة ماندلسون التجديدية. ولعل هذه الحركة هي التي ضمنت لليهودية امكانية التعايش مع العالم (المسيحي خصوصاً) فمن مقدمات هذه الحركة عمل ماندلسون على التوفيق بين اليهودية وبين المسيحية. وذلك عن طريق التشديد على النقاط المشتركة بينهما. كمقدمة لتقليص الجفاء بين اتباع الديانتين. ولم يكن التحديث ليكتمل بدون تبسيط الطقوس والعبادات اليهودية. وهكذا نشأت معابد يهودية حديثة كان اولها معبد اسرائيل يعقوب (1768 ـ 1828). وكانت هذه المعابد تخالف طقوس المعابد الارثوذوكسية في نواح عديدة. حتى اعتبرت حركة المؤرخين الجدد الاركيولوجيين بمنزلة الاستمرار (او التطبيق) لهذه الحركة الجديدية. فقد ترافقت بداية القرن التاسع عشر مع قفزات جديدة للفكر الانساني. وحلت فلسفة الشك مكان الفلسفة النقدية. وعلى هذا الاساس بدأت الدراسة العلمية للتاريخ اليهودي. واتجهت بحوثه لدراسة العهد القديم. مع المتابعة النقدية للتفسيرات التي اعطيت له فأدت الى تكوين “الموقف الجديد من التلمود”. وبحسب هذا المنهاج لم يعد من المقبول اعتبار الاسفار الخمسة (من أول العهد القديم) من الوحي. فقد بددت هذه الدراسات صفة الوحي عن العهد القديم وجعلت من التلمود كتاباً وضعياً. بعد ان كان يفوق الكتاب المقدس في اهميته لجهة التشريع والسمعيات والعقائد. وهكذا وصل المؤرخون اليهود الجدد (القرن 19) الى التأكيد على ان محتويات الكتاب المقدس والتلمود ملوثة بجملة خرافات يجب ان لا تترك لتدنيس عقول الناس وتلويثها. ومن هنا كان الاتجاه اليهودي يالتنويري (وليد حركة ماندلسون) الى اعتبار اليهودية ديانة توحيدية مبسطة لا ترتبط بالقومية اليهودية ولا بأرض الميعاد. كما دعا هذا الاتجاه لاعتبار اليهودية ديانة كونية (مفتوحة) لهداية الناس جميعاً. وبالتالي فان الاله اليهودي هو اله البشر جميعاً (مع الاصرار على وضعية الشعب المختار بما فيه من نزعة قومية وعنصرية باطينة).

بعد ما تقدم يمكننا القول بأن ماندلسون هو المؤسس لتيار” لا سامية الأنا”. وهو قد جوبه بمعارضة عنيفة محافظة. لكن اوضاع اليهود في تلك الفترة لم تكن لتسمح لهم باغتياله أو بتصفيته معنوياً. لان وكالة مكافحة التشهير اليهودية لم تكن قد ولدت بعد.
وفي عودة الى حركة المؤرخين الجدد المعاصرة نجد انها تخضع للعقل تاريخ اسرائيل منذ تأسيسها. دون ان تتصدى للاساطير الدينية ولخرافاتها. وهي اذ تفعل ذلك فهي تفعله في محاولة لتأمين استمرارية اليهود وازالة قسم بسيط من العداء المتراكم ضدهم نتيجة لخضوعهم لايحاءات الارهاب الصهيوني ومشاركتهم فيه. وهذه الحركة انما تهدف، اول ما تهدف، الى التمهيد لتبرئة اليهودية من الصهيونية التي لم تعد مؤامراتها واساطيرها قادرة على الصمود طويلاً مع ظهور وثائق ومستندات جديدة تدينها بصورة مستمرة. ولذلك كان ميل الحركة لتبني شعار “ما بعد الصهيونية”. مع ما في هذا الشعار من مسايرة للنمط الفكري السائد راهناً. حيث تأتي “نهاية الصهيونة” كشائعة مكملة لشائعات أخرى من نوع “نهاية التاريخ” وغيرها من النهايات.
 
7 ـ المعارضة الاسرائيلية للحركة

حتى اليوم لا تتعدى حركة المؤرخين الجدد كونها مجموعة من الاكاديميين الذين يجرون بحوثاً للتحقق من بعض الملابسات والتفاصيل المتعلقة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ تأسيس اسرائيل وحتى اليوم. ولهذا السبب فقد عوملت هذه الحركة على انها مجرد تيار من التيارات العلمانية لغاية قرار وزير التعليم يوسي ساريد ادخال افكار هؤلاء المؤرخين الى المدارس وتدريسها للتلاميذ. فهذا القرار هو الذي اعطى للتيار طابع الحركة مبيناً تأثيرها وتمتعها بالتأييد السياسي. ويجيء هذا القرار على يد الحكومة الباراكية المستعدة لتقديم تنازلات من النوع الرابيني (نسبة الى رابين) مما جعل معارضة اليمين المتدين لهذه الحركة معارضة ذات طابع حاد(4).

ولعلنا نجد في كتاب افراييم كارش المعنون بـ”فبركة التاريخ الاسرائيلي: المؤرخون الجدد”(5) عينة على المعارضة الداخلية ـ الاسرائيلية التي تواجه هذه الحركة والمؤلف ضابط سابق في الموساد الاسرائيلي ويعمل حالياً استاذاً للدراسات المتوسطية في جامعة كنغزكوليج بجامعة لندن. وبمعنى آخر فان كارش يتوج عمله في الاستخبارات بالدفاع عن وجهة النظر الصهيونية ودعمها عبر المنابر الاكاديمية العالمية. بما يدفعنا للسؤال استطراداً عن وجود اكاديميين عرب في منابر شبيهة لضحد رواياته المبرمجة مخابراتياً؟. وهذا ما يجعلنا بحاجة الى القبول بروايات المؤرخين الجدد المعتدلة نسبياً.بالرغم من معرفتنا بمشاركتها في التأسيس لمشروع يتعارض والمصالح العربية.

مهما يكن فان كارش يشن في كتابه، الواقع في 210 صفحات، هجوماً عنيفاً على المؤرخين الجدد. متهماً اياهم بتشويه التاريخ الاسرائيلي وبالبعد عن القواعد الاكاديمية في كتاباتهم. وهو يبين نيته في تحطيم ما يسميه “اسطورة المؤرخين الجدد”. فيبدأ باتهامهم بالانتقائية وبالتأويل المنحاز للروايات والوثائق التي تقع عليها ايديهم. ويبذل كارش جهده كي يلاحق بالاتهام جميع هؤلاء المؤرخين. ويركزعلى ما يعتبره نقاط الضعف في اعمالهم. فيتصدى لها بالنقد والهجوم والمحاججة. وهو يركز بشكل خاص على اثنين من اشهرهم هما “بابي” و”شليم” تاركاً الاتهامات والتجريحات من نصيب بيني موريس باعتباره الاشهر بينهم. فنراه يطعن موريس بأهليته الاكاديمية. لكن موريس لن يلبث وان يرد له الصاع صاعين مذكراً اياه بخلفيته الاستخباراتية التي تجعله قاصراً عن تقديم نقد موضوعي لمثل هذه الاعمال.

وهذه مجرد عينة عن السجال الذي تثيره حركة المؤرخين الجدد في الأوساط الاسرائيلية. ومن الطيبعي ان نتوقع قيام معارضة عنيفة لهذه الحركة من قبل اليمين الاسرائيلي ومن قبل المتعصبين للصهيونية. ولكن حسبها انها تلقى من الدعم السياسي ما يؤهلها للاستمرار ولادخال افكارها الىعقول تلامذة المدارس وايضاً نشر اعمالها بحرية. ولعل من اهم الاسباب التي تدفع اليمين للتغاضي عن هذه الحركة تكمن في صراعه مع مشروع حزب العمل للتسوية السلمية اضافة للابحاث الاركيولوجية الجديدة التي باتت تشكك بالمرويات التوراتية اضافة الى قلة عدد هؤلاء المؤرخين. حيث لم يتجاوزوا العشرة لغاية الآن.

8 ـ انعكاسات الحركة على الرواية الرسمية العربية

ان السجال الذي يثيره المؤرخون الجدد في الاوساط الاسراائيلية يندرج في اطار السجالات اليهودية الاعتيادية. فالاوساط النخبوية لا تجد بأساً من تقديم اعترافات مر عليها الزمن ولم تعد تستوجب العقوبة. فاسرائيل اصبحت بحكم الامر الواقع دولة موجودة وقوية بتفوق. ويبقى ايجاد الصيغة المناسبة لاستمراريتها. ومن هذه الصيغ صيغة رابين المعنونة بـ”الشرق اوسطية” والتي تعني ببساطة تحويل طموح “اسرائيل الكبرى” الىطموح “اسرائيل العظمى”. وهذا التحويل يقتضي الخلاص من تبعات الصهيونية وتجاوزها. وما حركة المؤرخون الجدد الا أداة لتحقيق هذا التجاوز تمهيداً لإرساء “ما بعد الصهيونية” مقابل تبرئة اسرائيل من تجاوزات الصهوينة واخطائها.

وجرياً على العادات اليهودية فان الطرح المعاكس تماماً جاهز. وهو يقول بتحويل اسرائيل الى حكم الحاخامات وبقاءها في الوضعية التوراتية الاسطورية. مع الاستعداد للاختناق داخل اسرائيل على غرار اختناق اليهود داخل الغيتوات(8).

ولكن ماذا عن انعكاس هذه التوضيحات التاريخية على الرواية الرسمية العربية؟ ظاهرياً نجد هذه التوضيحات داعمة للرواية العربية مثبتة لها. حتى تبدو اعمال هؤلاء المؤرخين وكأنها تناصر العرب ورواياتهم. وهذا غير صحيح بالمرة. حيث الشيطان يكمن في التفاصيل. ومن التفاصيل التي توقظ الشياطين في هذه المرحلة نختصر:

1 ـ يؤكد المؤرخون الجدد على وجود تواطؤ عربي رسمي للحؤول دون قيام دولة فلسطينية كنتيجة طبيعية لقرار التقسيم. مما يعني استجابة الزعماء العرب في حينه لرؤية بن غوريون الخاصة للمصالح الاسرائيلية. ويركز بيني موريس بشكل خاص على تفاهم الملك عبدالله مع اسرائيل. ولكن التشكيك لا يقف عند ملك الاردن بل يتعداه الى سائر الزعماء في حينه.

2 ـ يشكو المؤرخون الجدد من ضبابية الارشيف العربي المتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي وعدم امكانية الوصول الى وثائقه بصورة مباشرة. وضرورة الالتفاف للحصول على هذه المعلومات عبر الوثائق المخابراتية الاجنبية.

3 ـ يعتبر المؤرخون الاسرائيليون الجدد بأن عملهم لا يكتمل بدون قيام حركة مؤرخين عرب جدد. بما يوحي ان الخلاف العربي ـ الاسرائيلي متركز على ايضاح بعض النقاط التي تدين الصهيونية بما يسمح بعدها بالانتقال الى مرحلة تفاهم ما بعد صهيونية!.

4 ـ امام الدعم العالمي لاسرائيل اضطر الزعماء العرب لخوض حرب تعبئة نفسية بهدف الحفاظ على المعنويات. وايضاً وقاية الجمهور من اخطار الحرب النفسية الاسرائيلية التي سخرت وسائل الاعلام العالمي. وبذلك طغت هذه التعبئة على الرواية الرسمية العربية لتاريخ الصراع. بحيث يؤدي سرد الحقائق الى ضحد هذه الرواية.

ونكتفي بهذه النقاط لنشير باننا اصبحنا اقل استجابة لتحريض التخوين والتكفير. وبتنا نفضل ان ننظر للأمور على انها معايشة لوقائع لا يمكن الحكم عليها بدون العودة الى زمنها التاريخي. ويمكننا ان نختلف حول ما اذا كان التصرف الرسمي العربي في حينه منسجماً مع المعطيات الموضوعية لتلك المرحلة. كما يمكننا ان نختلف حول درجة هذا الانسجام. فنحن ندرك اليوم بجلاء ان اسرائيل لم تكن بلد اليهود بل كانت قاعدة مصالح (ولا تزال) ذات دور وظيفي محدد بدقة وعناية. وبذلك لم يكن امامنا خلال هذه الحقبة التاريخية ان نختار بين الجيد والسيء. بل كنا نختار بين السيء وبين الاكثر سوءاً. لذلك فاننا لا نجد اية مصلحة عربية في تفجير هذه الألغام!.
-------------------
الهوامش والمراجع
1 ـ ان هذا القرار يعكس المرونة السياسية الاسرائيلية. فالوثائق البريطانية والاميركية تحتوي على غالبية الاسرار الاسرائيلية. خصوصاً لجهة علاقاتها الاميركية. وبالتالي فانه لا داعي للاحتفاظ بسرية الوثائق الاسرائيلية.
2 ـ Aronson shlomo: Conflict and Bargaining in the
Middele East: An Israel perspective .
Baltimore: The Sohn Hopins university Press,1978
3- دومينيك فيدال: الخطيئة الأصلية لاسرائيل, معروض في كتاب سيكولوجية السياسة العربية ص187 للمؤلف، 1999. والكتاب الفرنسي صادر عن دار لاتليه/باريس.
4 ـ مروان بشارة: فوز الاسرائيلية على الصهيونية، مجلة وجهات نظر العدد السابع. ص (4 ـ 9)، اغسطس، 1999.
5 ـ خالد الحروب: حركة المؤرخون الجدد، مجلة شؤون الاوسط العدد 95 ص (61 ـ 76) مايو، 2000.
6 ـ Karsh, Efraim: Fabricating Israeli History:
the “New Historians, London: Frank
crars,1999 .

حركة المؤرخين الاسرائيليين الجدد -1-


حركة المؤرخين الاسرائيليين الجدد -1-
اعتمدت دولة الإحتلال الصهيوني مبدأ الافراج عن الوثائق السرية بعد مرور ثلاثين سنة عليها. وتم الافراج عن الدفعة الاولى من هذه الوثائق في العام 1978 وهي تتعلق بالعام (1948) وبذلك بدأت تتوافر بين ايدي الدراسيين الاسرائيليين وثائق عن المرحلةالممتدة ما بين (1948) ولغاية (1970). وعلى غرار ما يجري في الدول التي تعتمد هذا المبدأ فان الاهتمام ينصب حول تصحيح بعض القناعات المنتشرة بين الجمهور والتي تثبت الوثائق كونها قناعات خاطئة. ويصل الاهتمام بتصحيح هذه القناعات الخاطئة وتقويمها الى الصحافةاليومية. ان هي رأت في ذلك جذباً لاهتمام جمهورها. اما الوثائق الاقل إثارة فيهتم بها المتخصصون وبعض الفضوليين.

في دولة الإحتلال الصهيوني لم يكن الامر بمثل هذه البساطة. فقد ادى كشف القناعات الخاطئة ومحاولات تصحيحها الى نشؤ تيار حديد عرف بتيار “المراجعة” او “المؤرخون الاسرائيليون الجدد”. ولقد ادى هذا التيار الى حدوث انقسام حاد في المجتمع الاسرائيلي بين مؤيد للتيار ومعارض له. وحدة هذا الإنقسام تعتبر غير عادية بالمقارنة مع دول اخرى تواجه حقائق اصعب من تلك التي تواجهها اسرائيل عبر هذه المراجعات. ومن الملفت ان حزب العمل يتبنى هذا التيار حتى يبدو وكأنه والده غير المعلن. في حين يلقى التيار معارضة ليكودية عنيفة تضعه في قلب السياسة الاسرائيلية وصراع اقطابها. ولا بد لهذه المواقف الحادة من ان تستتبع طرح سيل من الاسئلة يحتاج الى ترتيب تسلسلي مناسب وصولاً الى فهم هذه الاهمية المتضخمة لهذا التيار الذي اكتسب تسمية الحركة بسرعة تطرح اسئلة اضافية.

بعض المهتمين بالحركة يربطون بينها وبين الاحساس الاسرائيلي بالخطر بداية حرب (1973). في حين يميل البعض لاعتبارها اختراعاً جديداً للعلمانيين في حزب العمل. بينما يصر آخرون على اعتبارها حلقة من حلقات صراع الهوية في اسرئيل. ويصل البعض الى حدود وصفها بالحركة الساعية لوضع حد للصراع العسكري مع العرب عبر تسوية لا تصل الى مرتبة السلام. وتبقى قلة قليلة ترى ان حركة المؤرخين الجدد هي مزيج من كل ذلك في آنٍ معاً. وهذا التفسير هو الاصعب والاكثر إستثارة للاسئلة.

وتلافياً لفوضى تصنيف وترتيب هذه الأسئلة فاننا سنعتمد مبدأ التداعي الحر وهو مبدأ ينتمي الى التحليل النفسي. ويعتمد هذا المبدأ على الانطلاق من الحاضر الى الماضي القريب ومنه الى الابعد فالابعد. بحيث تساعدنا معلومات كل مرحلة على فهم وتذكر المراحل التي قبلها.

على هذا الاساس نجد من المناسب مقاربة الموضوع عبر التسلسل الآتي: 1 ـ التعريف بالحركة و2 ـ دعم بيلين لها و3 ـ دعم رابين لها و4- علاقة الحركة بمشروع رابين (الشرق اوسطية) و5 ـ علاقة الحركة والمشروع بطروحات الهوية و6 ـ الاصول التاريخية للحركة (لو وجدت) و7 ـ منطلقات المعارضة الاسرائيلية للحركة و8 ـ انعكاسات المراجعة الاسرائيلية على التأريخ الرسمي العربي.

وغني عن القول بأن المجال هنا لا يتسع لمناقشة هذه القضايا بعمقها وتفاصيلها. وبأننا سنكتفي بعرض موجز لها. ونبدأ باول الاسئلة.

1 ـ التعريف بحركة المؤرخين الجدد
تجنب التاريخ الاسرائيلي الرسمي مجرد الإشارة الى الخسائر اللاحقة بالفلسطينيين نتيجة حرب 1948. وبذلك فهو قد تجنب ذكر الدمار والخراب اللاحق بالمدن والقرى الفلسطينية والحديث عن طرد السكان من قراهم ومنازلهم وتدميرها بعد ذلك. وبهذا حافظت الرواية الرسمية الاسرائيلية على منطوق تاريخي موحد قوامه ان الصهيونية قد حققت معجزة اقامة دولة اسرائيل. وصفة المعجزة هي النتيجة المفروضة للطريقة الرسمية في سرد احداث حرب 1948. وذلك بدءاً بتسميتها بـ”حرب الاستقلال” في ايحاء الى انه استقلال لدولة اليهود عن التاج البريطاني. وهذه التسمية تعني التجاهل الرسمي الكامل لوجود شعب غير يهودي في فلسطين ايام الانتداب. مما يعني بأن التزوير التاريخي يبدأ من التسمية. ومنها ايضاً بدء المؤرخون الجدد اذ رفضوا هذه التسمية واصروا على استبدالها بمصطلح “حرب 1948”. وهي بداية جيدة على اي حال! حيث يحاول هؤلاء المؤرخون مراجعة الصيغة التاريخية الرسمية وتنقيتها من الاكاذيب ومن حيل الحرب النفسية التي تحولت الى مسلمات اسرائيلية لحين قيام هؤلاء المراجعون بالتشكيك في صدقيتها. ولا شك ان مهمة هؤلاء شاقة لان نقض المسلمات هو مهمة عسيرة وتحتاج الى اسانيد وحجج دامغة دون اي احتمال لبس.

وفي عودة الى الرواية الرسمية فانها تعتبر حرب 1948 بمنزلة حرب التحرير. اي تحرير اليهود من ظلم بلاد الشتات وذلها. وتعتمد الرواية على مقولة اساسية قوامها ان ولادة الحركة الصهيونية كانت ردة فعل على الاضطهاد الذي تعرض له اليهود. ثم جاءت اسرائيل لتكون حلاً، ولوجزئياً، لمشكلة اليهود الاوروبيين. وهذا الحل كان هو الهدف الاساسي للصهيونية. التي لم تقصد الحاق الإساءة بعرب فلسطين. فالاستيطان الصهيوني كان مجاورة برأي الصهاينة ولم يكن احتكاكاً او هادفاً لمضايقة العرب او ترحيلهم. ومع ذلك فقد وجدت اسرائيل نفسها في وسط عربي قاسٍ ولا يعرف الرحمة بحيث اضطرت الاقلية اليهودية (وقسم منها مصدوم وخارج من المعتقلات النازية) للدفاع عن نفسها في وجه اغلبية عربية تشن حرباً للقضاء على اليهود. لذلك رفض العرب قرار التقسيم وهاجموا اليشوف اليهودي بهدف اقتلاعه والقضاء على الدولة اليهودية في مهدها. وكان العرب مدعومين في ذلك من قبل البريطانيين. وتتابع الرواية الرسمية بأن العرب خسروا الحرب بعد ان تمكنت جماعة الهاغانا (كانت تسميتها العالمية آنذاك بالمنظمة الارهابية) من الانتصار على العصابات (وليس المقاومة) الفلسطينية المدعومة من قبل جيش الإنقاذ. وما لبثت الدول العربية الخمسة ان هاجمت الدولة اليهودية بجيوشها. وبهدف تسهيل مهمتها طالبت هذه الدول السكان العرب بمغادرة منازلهم لفتح الطريق امام تقدم الجيوش العربية. وهذا الطلب العربي هو الذي أدى الى نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.ومع ذلك بقيت الرغبة في السلام قائمة لدى الزعماء الاسرائيليين. لكن العرب رفضوا ذلك وقضوا على جميع المبادرات السلمية والنوايا الحسنة. وذلك لانهم كانوا قد عقدوا النية على تدمير اسرائيل. ومع ذلك انتصر اليهود ونجحوا في اقامة دولتهم بالرغم من كل الظروف(2). وكان هذا الانتصار معجزة يهودية جديدة تحققت بفضل براعة بن غوريون وبطولة المقاتلين اليهود.

وبعد قيام اسرائيل تحولت الرواية الرسمية الى تقديم صورة مثالية (بهدف تسويق الدولة الجديدة لدى يهود العالم) وتحول المؤرخون الرسميون الى نوع من الصحفيين الذين يكتفون بنقل الأخبار الرسمية وتدوينها بأسلوب التأريخ منتبهين الى عدم تجاوز الخطوط الحمراء. والتي يمكن تلخيصها بأي شيء يمكنه ان يسيء الى اسرائيل. وكان المؤرخ الرسمي يتجاهل الحقائق ويتجاوز المعطيات المتوافرة لديه باعتبارها اسراراً تمس الامن الاسرائيلي!. وهكذا تم طمس الحقائق التاريخية بدون اي شعور بالمسؤولية.وخدمة للأغراض الصهيونية.

لكن الامور بدأت تتغير مع ظهور المؤرخين الجدد في نهاية السبعينيات . اذ بدأ هؤلاء يخرجون على الرواية الرسمية في كتاباتهم. بادئين بذلك عملية اعادة نظر شاملة بمسلمات المؤرخين الرسميين.

وبدأ هذا الجيل من المؤرخين بالاهتمام بالمسألة الفلسطينية وبآثار حرب1948 وانعكاساتها على الفلسطينيين. فلجأوا الى اعادة كتابة احداث الحرب من منظورها السياسي. فقد اطلق احد هؤلاء المؤرخين ويدعى”ايلان بابي” قاعدة مفادها ان على مؤرخ الحرب ان يولي اهتماماً اقل لتطوراتها العسكرية (تنقلها الصحافة) وان يولي اهتمامه للوجوه السياسية(3). ذلك ان الحرب نفسها هي قرار سياسي واستمرارية اي حرب انما ترتبط بفشل اطراف الصراع في الوصول الى تسوية سياسية. وهكذا بدأ صرح الرواية الرسمية بالانهيار وبدأت الصهيونية تفقد قناعها لتتبدى كحركة استعمارية

بعد زوال قناعها التحريري!. وبذلك فان اسرائيل تحمل وزر الظلم والغبن اللاحقين بالفلسطينيين بسبب حرب (1948).وتدعمت هذه الآراء بالمعطيات التي كشفت عنها الوثائق الاسرائيلية المعلنة. حيث وجد المؤرخون الجدد البراهين والادلة اللازمة للطعن بصحة الرواية الرسمية. وكما يفعل اي مؤرخ موضوعي فان هؤلاء لم يتركوا مصدراً من المصادر المتوافرة للمعلومات دون ان يدرسوه ويخضعوه لمباديء المقارنة التاريخية. فهم قد استعانوا، الى جانب الارشيف الاسرائيلي، بالارشيفين الاميركي والفرنسي اضافة للمراسلات والاوراق الخاصة ومحاضر الاحزاب والمذكرات الشخصية ومقابلة العديد من الشخصيات. اضافة الىتقارير الديبلوماسيين الذين عملوا في قضية اللاجئين الفلسطينيين.

هكذا توصل المؤرخون الجدد الى الطعن بالرواية الرسمية واتفقوا على كونها مركبة من مجموعة مقولات او ادعاءات باطلة او غير دقيقة على الاقل. وكذلك فهم اتفقوا على تسميتها بـ”الاساطير الصهيونية”. وقبل الانتقال الى تعداد المواضيع التي يتفقون على تسميتها بالاساطير نود ان نوضح اشكالية استخدامهم لمصطلح”اساطير”. فالاسطورة تعريفاً يجب ان تكون حادثة قديمة تنطوي على خوارق. والمواضيع الطروحة حديثة ولا تنطوي على خوارق فكيف يصح وصفها بالاساطير؟! وهي مجرد اكاذيب!.

ان ما يبرراستخدام هذا المصطلح هو ان الصهيونية قد نجحت في ربط كل كذبة من اكاذيبها بواحدة من الاساطير اليهودية. ومن هنا نجد ان لمصطلح “الاساطر الصهيونية” دلالات معبرة ومحددة. لذلك فاننا نفضله على مصطلح اكاذيب. بل اننا نرى بأن اتقان الصهيونية لهذا الربط يستدعي الدراسة؟.

وبالعودة الى المؤرخين الجدد فاننا نجدهم متفقين على تحديد هذه الاساطير. بحيث نراها تتكرر بشكل روتيني وممل في كتاباتهم. الا اننا نلاحظ في المقابل عدم اتفاقهم حول القراءة الجديدة لهذه الاساطير. ولنبدأ اولاً بتحديدها:

أ ـ الاسطورة الاولى: هي ادعاء الزعماء الاسرائيليين قبولهم لقرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة في 1947/11/29. واعتبار هذا القبول اعراباً عن رغبتهم الصادقة في التوصل الى تسوية سلمية تسمح باقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل.

ب ـ الاسطورة الثانية: هي ان نزوح الفلسطينيين حصل بسبب نداء من القادة العرب طلبوا فيه من الفلسطينيين مغادرة ارضهم بصورة مؤقتة تسهيلاً لدخول الجيوش العربية.

ج ـ الاسطورة الثالثة: تدعي الرواية الرسمية ان اسرائيل كانت مضطرة لخوض حرب (1948) وذلك بسبب عدائية الدول العربية ورفضها قرار التقسيم واصرارها على خوض حرب تقضي فيها على اسرائيل.

د ـ الاسطورة الرابعة: كانت اسرائيل، عند صدور قرار التقسيم، ضعيفة وصغيرة وغير مستعدة لخوض مواجهة عسكرية امام جيوش عربية تفوقها عدداً واستعداداً.

هـ ـ الاسطورة الخامسة: وتقول بأن اسرائيل كانت دوماً مستعدة لاقامة السلام مع العرب. لكن هؤلاء كانوا يرفضون الاعتراف بها.

ولقد تمكنت جماعة المؤرخين الجدد من ضحد هذه الاساطير الخمسة بطرق مختلفة باختلاف الوثائق التي تمكن كل منهم من الحصول عليها. لكن اختلافاً ايديولوجياً بين هؤلاء يجعلهم يقرأون المعطيات المتوافرة بين ايديهم بطرق مختلفة. لكننا نتساءل عن جدية هذه الاختلافات. وعما اذا كانت مجرد خلافات منهجية او تصورات مختلفة لمستقبل اسرائيل. خصوصاً وان المعلومات المتوافرة عن هؤلاء تشير الىعلاقتهم بحزب العمل وبملكيتهم لخلفيات ليبيرالية تجعلنا نشكك بوجود خلافات ايديولوجية بينهم. وهذا ما سنوضحه لاحقاً.
2 ـ بيلين يدعم الحركة
يوسي بيلين هو احد مفكري حزب العمل ومنظريه قبل تسلمه منصب وزير العدل في حكومة باراك. وهو مهندس اتفاق أوسلو ومتحمس لادخال افكار المؤرخين الجدد الى المدارس الاسرائيلية (غير الدينية) وتدريسها للتلاميذ. فهل يتحمس مفكر مثل بيلين لمثل هذا القرار بصرة عشوائية. خصوصاً ضمن حكومة إئتلافية هجينة يعارض العديد من اعضائها مثل هذا القرار؟.

فلنتعرف اولاً الى فكر بيلين ورؤيته الاستراتيجية للواقع الاسرائيلي خصوصاً واليهودي عموماً. وهذا ما يمكن الاطلاع عليه عبر كتابه المعنون بـ”موت العم الاميركي”.

وفيه يقول بأن التيار المركزي في الحركة الصهيونية المنحاز الى هرتزل هو الذي فشل في تحقيق الهدف الصهيوني. فقد كان هم هرتزل الاساسي هو منح يهود اوروبا ملجأ آمناً من المطاردات. ولهذا السبب كان الصهيونيون على استعداد لمناقشة أية خيارات تمنحهم حكماً ذاتياً يهودياً في اي مكان من العالم وبسرعة. ولم تكن الهجرة الى فلسطين تمثل خياراً اولاً بالنسبة لمعظم يهود اوروبا. بل هي كانت تمثل خياراً إجبارياً وناقصاً. لذلك هاجر أغنياؤهم الى الولايات المتحدة لانها قبلتهم.

وهذا ما يدفع بيلين للتساؤل عن مستقبل اليهود واليهودية خارج اسرائيل فيرى بانهم يتناقصون ويسيرون نحو الذوبان. ويتابع انني اشعر بنوع من الهيستيريا والخوف إزاء ذوبان الشعب اليهودي خارج دولة اسرائيل. فاليوم وبعد 51 سنة على قيام اسرائيل هنالك 13 مليون يهودي. منهم عشرة ملايين يعيشون في الولايات المتحدة واسرائيل. اما شرقي اوروبا فانه سيفرغ من اليهود. لان غالبيتهم يحلمون بالهجرة الى اميركا و60% منهم يعقدون زيجات مختلطة. وكذلك يفعل يهود الولايات المتحدة مما يؤدي الى تناقص مستمر في عدد اليهود خارج اسرائيل. خصوصاً مع تناقص معدل الولادات الطبيعي لهؤلاء اليهود. وينبه بيلين من الخطورة الكامنة في تناقص اعداد يهود الشتات الذين يشكلون الخزان البشري للدم اليهودي.

ويحاول بيلين في كتابه البحث عن سبب هذا التناقص الحاد فيخلص الى ان اسرائيل تقوم بدور مزدوج بالنسبة ليهود الخارج ولكنه منتاقض في تأثيره على يهود العالم. فاسرائيل تتيح لهم موقع انتماء واعتزاز واحياناً موقع قلق وخوف. وهذه الميزات وفرت القوة ليهود الخارج. وساعدتهم في الحفاظ على وجودهم. لكن اسرائيل سنت قانوناً للهجرة حددت فيه تعريف اليهودي الذي يحق له الهجرة اليها. مما ابعد عنها ملايين الاشخاص الذين يعتبرون انفسهم يهوداً ولكنهم لا يستوفون شروط تعريف اسرائيل لليهودي. القائل بانه الشخص المولود من ام يهودية واصبح يهودياً بحسب الشريعة اليهودية وبمصادقة الحاخامين الارثوذوكس. وبذلك تكون اسرائيل قد اعطت للمحافل الدينية اليهودية وحدها حق الحسم في مسألة ذات جوهر قومي.

ويرى بيلين ان استمرار العمل بهذا القانون يشكل انتحاراً جماعياً. فالمتدينون اليهود يريدون جعل اليهودية ديناً فقط ونحن نراها اكثر من ذلك... فنحن نراها ثقافة وهوية ومصيراً. ثم يتساءل: من وضع الحاخامين في موقع من يسقط اليهودي من يهوديته؟ ففي الولايات المتحدة وحدها يوجد ما بين مليونان الى ثلاثة ملايين اميركي في زيجات يهودية ـ مسيحية مختلطة. والحاخامون لا يعتبرون هؤلاء يهوداً. وثمة آخرون مثلهم في الاتحاد الروسي.

ويستنتج بيلين الضرورة الحيوية لصياغة قانون جديد يسمح بهجرة هؤلاء الذين يرفض الحاخامات اعتبارهم يهوداً. ويقترح بيلين الاعتماد على الرغبة الشخصية للمولودين من ام غير يهودية ولهم اقرباء يهود (ولو قرابة بعيدة). فاذا اختار الشخص الديانة اليهودية فليمنح هذه الصفة وليسمح له بالهجرة الى اسرائيل. على ان يكون ذلك عقب اختبار قصير بمباديء الدين اليهودي. على غرار الامتحان الموجز بالدستور الاميركي الذي يخضع له طالبوا الجنسية الاميركية قبل منحها لهم. وبذلك يكون يوسي بيلين قد وضع اسس “التهويد العلماني”.

من خلال هذا الملخص البسيط الموجز لكتاب بيلين نجد ان هذا المفكر يدعو لإعادة النظر بالمشروع الصهيوني برمته. منذ هرتزل وحتى اليوم. وهو يطرح مراجعة كاملة له وليس مجرد مراجعة بعض التفاصيل التاريخية الفرعية. وهو ما يفعله المؤرخون الجدد. مما يجعل من هؤلاء مجرد مرحلة أولية من مراحل مشروع بيلين. لكن هل يمكن القول بأن هذا المشروع هو مشروع بيلين الشخصي؟ ام انه يأتي في سياق المشروع العام لحزب العمل؟. وهذا ما سنعرفه من استعراض موقفه من المؤرخين الجدد.
3 ـ رابين يتبنى المؤرخين الجدد و4- علاقة الحركة بمشروع رابين (الشرق اوسطية)
لم يكن إدخال كتب المؤرخين الجدد وانتقاداتهم الى المدارس الاسرائيلية وليد قرار. فقد استغرق اعداد هذه الكتب خمس سنوات كاملة. وكان المشروع قد انطلق برعاية اسحق رابين. الذي يبدو بذلك وكأنه الراعي الاساسي للمؤرخين الجدد. اما عن مشروع رابين السياسي المعلن فهو مشروع “الشرق اوسطية”. الذي طرحه رابين تحت شعار”نحو شرق اوسط جديد”.

وكان هذا المشروع قد أثار لغطاً كبيراً واستثار معارضة اكبر ادت في النهاية الى إغتيال رابين نفسه. والآن وبعد مرور سنوات على هذا الاغتيال وخروج مصطلح “الشرق اوسطية” من التداول، لا بأس من محاولة قراءة هذا المشروع على ضوء طروحات الهوية الاسرائيلية. حيث تشكل الشرق اوسطية طرحاً جديداً لهذه الهوية. فما هي علاقة هذا الطرح بالطروحات القديمة؟. ان الجواب على هذا السؤال من شأنه ان يوضح اتجاه التمرد الذي تخوضه حركة المؤرخين الجدد.

وبمقارنة الشرق اوسطية مع طروحات الهوية الاخرى. نجد انها تعارض الطرح الكنعاني الرافض الاعتراف بيهود الشتات. فما بالنا بالشتاتيين المشكوك بيهوديتهم. والامر نفسه ينسحب على الطرح العبري. اما الطرح الاسرائيلي فهو بدوره لا يتسع لانصاف اليهود وارباعهم من الشتاتيين. اما بالنسبة للطرح اليهودي فاننا نلاحظ ان بيلين قد اعلن موت هذا الطرح في كتابه المشار له اعلاه. حيث فقد هذا الطرح، او يكاد يفقد قريباً، خزانه البشري. بل انه من الممكن عملياً اعتبار هجرة المليون روسي آخر الهجرات اليهودية. وفي نظرة اكثر واقعية نجد ان حزب العمل قد تجاوز التعريف الرسمي لليهودي تجاوزاً عميقاً اذ تشير الاحصاءات الى ان 65% من المليون روسي لا يستجيبون لهذا التعريف. وهكذا لم يبقى اما اسرائيل سوى استقدام انصاف وارباع اليهود. وهذا ما حاولته الشرق اوسطية بطرحها تحويل اسرائيل الى دولة مفتوحة على جوارها العربي ومانحة جنسيتها لمن يناسب مصالح سباقها الديموغرافي مع الفلسطينيين. وهذا تحديداً ما عبر عنه بيلين بطرحه”التهويد العلماني”.

ولكي نفهم طروحات حزب العمل لعامة علينا ان نتذكر بانه علماني يعتنق الايديولوجيا الصهيونية. التي قامت على خزان بشري مكون من يهود الشتات. اما وقد شارف هذا الخزان على النفاذ فان الحزب اصبح بحاجة لان يخطو خطوة ما بعد صهيونية. وما المراجعات الإنتقادية للمؤرخين الجدد سوى مرحلة من مراحل هذه الخطوة. وهذا ما سنوضحه في الفقرة التالية.
5 ـ المؤرخون الجدد وطروحات الهوية الاسرائيلية

ان انطلاقة الحركة اواسط السبعينيات لم تكن مصادفة بحتة. فقد أدت حرب (1973) لاحداث هزة عنيفة في المجتمع الاسرائيلي. واستثارت هيستيريا الايام الاولى للحرب وساوس اسرائيلية لا نهاية لها. ولقد نجح بعض الكتاب الإسرائيليين في ترجمة هذه الوساوس الى اسئلة نذكر منها على سبيل المثال:

أ ـ ماذا لو تكررت المفاجأة ولم تكن الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بالتدخل لمصلحة اسرائيل لسبب او لآخر؟.

ب ـ لقد اعتمدت اسرائيل في حروبها مع العرب على دعم يهود الشتات المادي والمعنوي. لكن هؤلاء سائرون الى التلاشي. وهذا يعني ان اسرائيل لن تجد مستقبلاً من يدعمها!

ج ـ ان الاقتصاد الاسرائيلي هو اقتصاد معونات (اميركية خصوصاً). كما برهنت حرب(1973) على ان بقاءها مرتبط بالدعم العسكري المباشر.فهل يمكن بعد ذلك الادعاء بان الصهيونية قد بنت دولة اسمها اسرائيل؟.

د ـ هل صحيح ان النصر ليس من نصيب الاقوى بل هو من نصيب الاكثر اصراراً؟.

هـ ـ اياً من طروحات الهوية الاسرائيلية المعروفة اكثر ملاءمة لواقع اسرائيل ومستقبلها؟.

والاجابة على هذه الاسئلة تختلف اختلافاً بيناً ما بين حزبي العمل والليكود. وباختصار فان حزب العمل يميل الى اعتماد تسوية سلمية لا ترقى الى حدود السلام. مع ما تقتضيه من تنازلات! اما حزب اليكود فهو يميل الى تأمين موارد اقتصادية ذاتية تلغي تبعية اسرائيل. وبما ان كل ثروات الارض ملك لليهود فانه من غير المهم طريقة تأمين هذه الموارد (المافيا، مخدرات ، خيانة وبيع اسرار، صفقات سرية، تحالفات مشبوهة... الخ).

حركة المؤرخون الجدد من جهتها تبنت تكليف حزب العمل بالتمهيد للتسوية السلمية. على ان يبدأ ذلك بالتمهيد لنشر حقيقة استحالة استمرار العداء الاسرائيلي للعرب على المستوى الذي كان عليه منذ (1948) وحتى اليوم. ويتضمن الشرح التركيز على النقاط التالية:

1 ـ ان الوثائق المتوافرة تشير الى قابلية الحكام العرب للسلام مع اسرائيل. وبالتالي فان عدوانية الحكام العرب لاسرائيل ورفضهم السلام معها كان مجرد شائعة اسرائيلية. فها هو أفي شليم يعرض للعلاقات السرية بين اسرائيل والملك عبد الله بالوثائق. كما يؤكد بيني موريس في كتابه “ما بعد 1948” ان الحكومة المصرية عارضت طوال اشهر الاشتراك في حرب فلسطين لكون جيشها غير جاهز لمثل هذه المشاركة.

2 ـ ان الفلسطينيين لم يستجيبوا لنداء اعلان الحرب الا بعد فشل محاولات العديد من زعمائهم في التفاهم مع الاسرائيليين على صيغة عيش مشتركة مقبولة . وكان سبب ذلك رفض بن غوريون القاطع لقبول قيام دولة فلسطينية. وهذا ما يعلنه أفي شليم مدعماً بالوثائق.

3 ـ ان اسرائيل دخلت حرب 1948 وهي على تمام الاستعداد العسكري والتفوق على جيرانها. وهي التي اصرت على هذه الحرب وليس العرب.

انطلاقاً من هذه المعطيات وكثيرة غيرها. وانطلاقاً من ضحد الاساطير الصهيونية الخمسة المشار اليها اعلاه يمكن لاصحاب طروحات الهوية المختلفة ان يعتقدوا بأن اياً من طروحاتهم كان صالحاً للاعتماد لولا اكاذيب ما اسماه بيلين بالتيار المركزي للصهيونية. فقد تألف هذا التيار في حينه من مجموعات (ارهابية) كان من الطبيعي ان تميل الى خيار القوة. وهو الخيار الذي نسف غالبية الطروحات واوصل الطرح اليهودي الىحافة الهاوية.

وبهذا تكون الحركة قد استثارت اصحاب الطروحات وارست المقدمات للردة على الصهيونية. وهي ردة قد لا يتحملها الجيل الحالي ولكن تلاميذ المدارس الذين يدرسون حالياً التاريخ الجديد سيكونون اقدر على تقبلها والعمل لها.

وهنا تجدر الاشارة الى ان الدور الوظيفي لاسرائيل هو المحدد الحقيقي لهويتها. فهي تدين بنشوئها واستمراريتها الى الفائدة التي تقدمها للمصالح الغربية عبر دورها كرأس حربة في منطقة الشرق الأوسط باهميتها الاستراتيجية الفائقة. وعليه فقد بقيت طروحات الهوية الاسرائيلية موضوع جدال لما ينتهي. ولعلنا نتساءل عن سبب بقاء صراع الهوية الاسرائيلي في مرحلة الجدل وعدم تخطيه اياها الى مرحلة مواجهة وصراع؟ والجواب ان هنالك آليتين ضابطتين بشدة لأي صراع داخلي ـ اسرائيلي. وهما:

1 ـ الانتماء الى شعب الله المختار ونعمة هذا الانتماء الجامعة لليهود و2 ـ المصالح الاميركية. التي تتطلب خدمتها مراعاة منحنيات العلاقات العربية ـ الاميركية ودهاليزها. وهاتين الآليتين تشكلان عنصر وقاية فاعل لاسرائيل ضد اية تهديدات خارجية كانت ام داخلية. وهذا يعني بقاء اسرائيل خارج اية احتمالات كارثية ما دامت ملتزمة بدورها الوظيفي في خدمة المصالح الاميركية. الا ان هذا الالتزام لا يستطيع وقاية اسرائيل من الكوارث المستقبلية وفي طليعتها دعم الآلية الاولى (نعمة الولادة اليهودية) التي تضمحل مع تلاشي يهود الشتات. الامر الذي يطرح مشكلة مسقبلية تطال هيكلية الدولة. فهذا التلاشي يعكس اضمحلال الطرح اليهودي. مما يستدعي ضخ دماء جديدة له وهذا ما يقترحه بيلين وعديد من المفكرين الصهاينة الآخرين الداعين الى نقلة ما بعد صهيونية.

في المقابل نجد ان تهاوي الطرح اليهودي وظهور تباشير نهايته من شأنهما ايقاظ طموحات الطروحات الأخرى للهوية. وهذا ما يفسر ردة الفعل العنيفة ، لدى كافة اصحاب هذه الطروحات، اما طرح رابين للشرق اوسطية. فإن هذا الطرح يلغي بقية الطروحات. اما عن التهويد العلماني الذي يطرحه يلين فانه يكاد يتطابق مع حركة التجديد التي قادها موسى ماندلسون (1729 ـ 1786) والتي ووجهت بمعارضة يهودية حاسمة في حينه. اما حركة المؤرخين الجدد، وبالرغم من انتمائها لمشروع رابين، فانها تكتفي بمجرد الدعوة للمراجعة التاريخية منذ فترة التأسيس وحتى الآن. وهي بذلك تبقي الابواب مفتوحة امام كافة طروحات الهوية الاخرى بعد نعيها للطرح اليهودي ـ الصهيوني؟

لكن الملفت ان هذه الحركة بدأت تتجاوز هذه الحدود في ما يشبه رغبتها ببدء مقارعة طروحات الهوية الأخرى. فها هو ناخمان بن يهودا مثلاً ينقب في اعماق التاريخ اليهود ي واساطيره الدينية ليضحد اسطورة الماسادا. بحيث تمكن قراءة هذه الخطوة وكأنها بداية شراكة بين المؤرخين الجدد وبين الاركيولوجيين العاملين على اخضاع الاساطير اليهودية للدراسة الاكاديمية وللمعطيات الاركيولوجية الضاحدة لهذه الاساطير والمشككة في صدقيتها. فهل تكون حركة المؤرخين الجدد بعثاً او تقمصاً لحركة التجديد اليهودية (ماندلسون) وتجلياً معاصراً لها؟.
 

2014-09-25

من هم المؤرخون الجدد ؟ وما هي توجهاتهم ؟ وما هي أطروحاتهم وأيدلوجياتهم ؟!


من هم المؤرخون الجدد ؟ وما هي توجهاتهم ؟ وما هي أطروحاتهم وأيدلوجياتهم ؟!
حقيقة المؤرخين الجدد
من هم المؤرخون الجدد ؟ وما هي توجهاتهم ؟ وما هي أطروحاتهم وأيدلوجياتهم ؟!
لجنة البحث العلمي في مركز بيت المقدس

المقدمة:
المؤرخون الجدد أو ما يطلق عليهم "حركة المؤرخين الإسرائيليين الجدد"، حركة عملت وما زالت تعمل على إماطت اللثام عن كثير من أكاذيب اليهود التي ترادفت مع قيام الكيان اليهودي على أرض فلسطين، على ضوء الوثائق التي أفرج عنها الكيان اليهودي بعد مضي عشرات السنيين.

وقد كثر الحديث على "المؤرخون الجدد" داخل وخارج الكيان اليهودي، ما بين مؤيد لأعمالهم وما بين مشكك في نواياهم وانتماءاتهم، وآخرون فضلوا التزام الصمت ووقفوا على الحياد حتى يستبين أمرهم !!.

وهذه الصفحات إضاءات سطّرتها لعلها تلقي الضوء على جوانب متعددة في حقيقة "المؤرخون الجدد"، للكثير من التساؤلات حولهم أهمها:

من هم المؤرخون الجدد ؟ وما هي توجهاتهم ؟ وما هي أطروحاتهم وأيدلوجياتهم ؟!
وهل هم ـ حقاً ـ منصفون أرادوا أن يعيدوا صياغة الأحداث بصورتها الصحيحة ؟!
وهل هم ـ فعلاً ـ منتقدون لسياسة الكيان اليهودي، وهل كتبوا بحق لدحض الأكاذيب ؟!
وهل هم عاملون لمناصرة العرب وأهل فلسطين وذكر الحقائق لخدمة قضيتهم ؟
أم أنهم ممهدون للتسوية السلمية بنظرة جديدة ولباس جديد ؟!

كل هذه الأمور تدفعنا للبحث في ماهية تلك الحركة وأهدافها وأبعاد أطروحتها.

"المؤرخون الجدد"
من هم " المؤرخون الجدد " ؟
هم مجموعة من المؤرخين اليهود الداعين إلى مراجعة تاريخ الصراع العربي- الصهيوني على ضوء الوثائق التي أفرج عنها الكيان اليهودي - بعد مضي ثلاثين سنة- وهذه الحركة تحاول إعادة النظر في الروايات التي ترادفت مع قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، من خلال مراجعة الصيغة التاريخية الرسمية، وتنقيتها من الأكاذيب ومن حيل الحرب النفسية التي تحولت إلى مسلمات في الطرح الصهيوني!! .

متى ظهر " المؤرخون الجدد ":
يحدد تأريخ ظهور ما يطلق عليهم " المؤرخون الجدد " في نهاية السبعينيات، وترى بعض المصادر -كموسوعة اليهود واليهودية وغيرها- بأنهم أخذوا في الظهور منذ بداية الثمانينيات، ويرى البعض أن "المؤرخون الجدد" لهم جذور تسبق تاريخ ظهورهم في الثمانينات، ويحدد البعض تاريخ ظهورهم بظهور كتاباتهم وآرائهم عبر الصحف والمحاضرات والمؤلفات.

وكان هذا الظهور في الأوساط الأكاديمية عبر نوع جديد من الكتابات التاريخية، ولهذا اعتبر ظهورهم في الثمانينيات مع ظهور كتاباتهم وصياغتهم للوقائع بطرق مغايرة لما اعتاد عليه المجتمع اليهودي.

أشهر المؤرخين الجدد ":
يعتبر بني موريس نفسه مؤسس حركة "المؤرخون الجدد" ، وهو من المؤرخين المعروفين وأستاذ التاريخ في "جامعة بن غوريون" ، وكذلك "يوسي بيلين" واسرائيل شاحاك و" ايلان بابيه " و "زئيف ستيل نهيل" و "موشي سميش" و "سيمحا فلابان" و"بار يوسف" وأروي رام وسامي سموحا وباروخ كيفرلنج وتامار كارتيال وسارا كازير وجيرسون شافير وبارون ازراحي وشلومو سويرسكي وتوم سيجيف ويناثان شابيترو يورين بن اليعازر وباجيل وايلا شوحات وآفي شلايم وايلان باي وغيرهم.

مسميات مختلفة لمعنى واحد:
وحركة "المؤرخون الجدد" يطلق عليهم أحياناً مدرسة "التاريخ الإسرائيلي الجديد"" ، ويطلق عليهم أيضاً مصطلح "ما بعد الصهيونية"، وكل ذلك يشير إلى مجموعة من المؤرخين والأكاديميين والكتاب والمثقفين وعلماء الاجتماع الانتقادين الذين أخذوا وبدأوا في مراجعة الرواية الأكاديمية اليهودية للصراع "العربي – اليهودي الصهيوني"، وعلى وجه الخصوص حرب 1948م التي جرى صياغتها في السابق ضمن إطار يهودي صهيوني يعيد ترتيب الوقائع، بما يخدم الوجود اليهودي على أرض فلسطين.

المبادئ التي اعتمدها " المؤرخون الجدد " في صياغتهم للتأريخ:
يرى هؤلاء المؤرخون أن التاريخ الرسمي للدولة اليهودية قد عمد إلى تقديم تفسير سطحي ومتحيز للأحداث التي واكبت قيامها وحذف كل ما يمكن أن يعطي صورة سلبية لها، وذلك لسببين أساسيين:

أولهما: أن الذين كتبوا هذا التاريخ لم يكونا مؤرخين بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كانوا مسجلين للأحداث ولم يكونوا من المحايدين في رواياتهم.

وثانيها: أن وجهة نظر الكيان اليهودي الرسمية كانت ترى في كتابة التاريخ بهذا الشكل أمراً ضرورياً نظراً لأن استمرار الصراع العربي الصهيوني كان يهتم برسم صورة إيجابية للدولة العبرية، لأن إبراز أخطائها من شأنه أن يضعف موقفها السياسي في صراعها على البقاء.

أما الآن فيعتقد المؤرخون الجدد أن الكيان اليهودي قد اكتسب نضجاً يجعله في غنى عن الأساطير التاريخية التي عاش فيها، والتعرف على جذور الصراع العربي الصهيوني مما قد يسهم في التعرف على أفضل الحلول له، في ظل المسيرة السلمية، وما بعد أوسلو على وجه الخصوص.

انتماءات المؤرخون الجدد:
حركة "المؤرخون الجدد" تبنت التكليف من حزب العمل للتمهيد للتسوية السلمية على أن يبدأ ذلك بالتمهيد لنشر حقيقة استحالة استمرار العداء الإسرائيلي للعرب على المستوى الذي كان عليه منذ عام 1948 م وحتى اليوم.

ومشروع المؤرخون الجدد انطلق برعاية " إسحاق رابين" الذي يبدو وكأنه الراعي الأساسي للمؤرخين الجدد ليتماشى مع مشروع " الشرق أوسطية " الذي طرحه رابين تحت شعار " نحو شرق أوسط جديد "، الذي يتماشى مع استبدال "إسرائيل الكبرى" "بإسرائيل العظمى".

ويعتبر "يوسي بيلين" -وهو أحد مفكري حزب العمل ومنظريه- من المتحمسين لإدخال أفكار المؤرخين الجدد إلى المدارس في الكيان اليهودي "غير الدينية" وتدريسها للطلاب، وقد تسلم منصب وزير العدل في حكومة باراك ، وهو من مهندسي اتفاق أوسلو.

وأصدر وزير التعليم في الكيان اليهودي "يوسي ساريد" تعليماته لإدخال أفكار هؤلاء المؤرخين إلى المدارس وتدريسها للتلاميذ، وهذا مما أعطى الحركة تأييد سياسي على مستوى عالي، يؤهلها للاستمرار ولإدخال أفكارها إلى عقول تلامذة المدارس وأيضاً نشر أعمالها بحرية، وتلك الدلائل تشير إلى علاقة هؤلاء المؤرخون بحزب العمل وبملكيتهم لخلفيات " ليبرالية ".

" طروحات " المؤرخون الجدد:
يحاول "المؤرخون الجدد" مراجعة الصيغة التاريخية الرسمية وتنقيتها من الأكاذيب التي تحولت إلى مسلمات، ويرون كذلك أنه تم طمس الحقائق التاريخية بدون أي شعور بالمسؤولية، وخدمة للأغراض الصهيونية، وعملوا على إعادة النظر في الروايات التي ترادفت مع قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

وبدأ هذا الجيل من المؤرخين بالاهتمام بالمسألة الفلسطينية وبآثار حرب 1948م، وانعكاساتها على الفلسطينيين، فلجأوا إلى إعادة كتابة الأحداث بأسلوب جديد خارج عن الرواية السابقة التي تجنبها التاريخ اليهودي الرسمي، ويمكن تحديدها بنقاط خمس:

1-الإقرار بأن اليهود قد دمروا الكثير من القرى والمدن، وقتلوا الكثير من أهل فلسطين خلال فترة قيام الكيان اليهودي، حيث الرواية الصهيونية السابقة لم تشر تماماً إلى الخسائر اللاحقة بالمدن والقرى الفلسطينية.
2-الحديث عن طرد السكان من قراهم ومنازلهم وتدميرها بعد ذلك.
3-نقض رواية أن نزوح الفلسطينيين حصل بسبب نداء من القادة العرب الذين طلبوا فيه من الفلسطينيين مغادرة أرضهم بصورة مؤقتة تسهيلاً لدخول الجيوش العربية.
4-ومراجعة المقولة بأن "إسرائيل" كانت مستعدة لإقامة السلام مع العرب لكن هؤلاء كانوا يرفضون الاعتراف بها.
5-وإعادة النظر في مقولة أن اليهود حققوا المعجزة التاريخية بانتصارهم على العرب في حرب 48م.

وهكذا توصل المؤرخون إلى الطعن بالرواية الرسمية واتفقوا على كونها مركبة من مجموعة مقولات أو ادعاءات باطلة أو غير دقيقة على الأقل، واتفقوا على تسميتها بـ " الأساطير الصهيونية " كون الصهيونية نجحت في ربط كل كذبة من أكاذيبها بواحدة من الأساطير اليهودية، وذلك حتى تقنع الرواية الرسمية بالمنطوق التاريخي الموحد بأن الصهيونية قد حققت معجزة إقامة "دولة إسرائيل" .

" يقول بني موريس أحد ابرز المؤرخين الإسرائيليين الجدد – الذي يعرف نفسه بأنه صهيوني – وهو معروف بين زملائه بأنه الأقل اهتماماً بالسياسة – وهو باحث ومراسل ميداني وصحفي، أن مهمته تتمثل بعرض المعلومات ويترك للقارئ استخلاص النتائج فهو يقول مثلاً: "نحن الإسرائيليين كنا طيبين، لكننا قمنا بأفعال مشينة وبشعة كبيرة، كنا أبرياء لكننا نشرنا الكثير من الأكاذيب وإنصاف الحقائق، التي أقنعنا أنفسنا وأقنعنا العالم بها، نحن الذين ولدنا لاحقاً بعد إنشاء الدولة – عرفنا كل الحقائق الآن – بعد أن عرض علينا زعماءنا الجوانب الإيجابية فقط من تاريخ " إسرائيل " لكن للأسف كان ثمة فصول سوداء لم نسمع شيئاً عنها ، لقد كذبوا علينا عندما أخبرونا أن عرب اللد والرملة طلبوا مغادرة بيوتهم بمحض إرادتهم، وكذبوا علينا عندما أبلغونا أن الدول العربية أرادت تدميرنا، وإننا كنا الوحيدين الذين نريد السلام طوال الوقت، وكذبوا عندما قالوا: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض "، وكذبة الأكاذيب التي سموها الاستقلال – ويضيف بني موريس " لقد حان وقت معرفة الحقيقة، كل الحقيقة، وهذه مهمة ملقاة على عاتقنا نحن المؤرخين الجدد".

فقد أقر "المؤرخون الجدد" ببطلان المبررات التي ساقتها الحركة الصهيونية في رفضها الاعتراف بارتكاب أية أخطاء في حق الشعب الفلسطيني والتي كان من أهمها "إنها لم تكن تريد طرد الفلسطينيين، بل كانت تريد العيش معهم في سلام، ولكن هم الذين رفضوا قرار التقسيم، وهم الذين شنوا الحرب على اليهود بغرض القضاء عليهم، وهم الذين تركوا ديارهم طواعية ليتركوا الفرصة لتدخل الجيوش العربية لقتال اليهود.

وأعادوا بذلك النظر في الدعاية الذي ظل يروج لها الإعلام اليهودي لعقود طويلة وهي أن "إسرائيل" لا ذنب لها في هذه المشكلة لأن الفلسطينيين هم اللذين تركوا ديارهم بكامل إرادتهم.

والمؤرخون الجدد الآن تنصب بحوثهم على إثبات أن المنظمات العسكرية الصهيونية التي شكلت جيش الكيان اليهودي قبيل الحرب، انخرطت في برنامج تهجير واع للفلسطينيين يستهدف طردهم من فلسطين انسجاماً مع الفكرة الصهيونية الأساسية حول الترانسفير بضرورة إخلاء الأرض للمهاجرين اليهود وعدم إمكانية وجود شعبين في البقعة ذاتها.

وهذا الطرح "للمؤرخون الجدد" – المتفاوت من مؤرخ لأخر – يناقض الرواية اليهودية الرسمية التي تنص على أن الفلسطينيين هاجروا بمحض إرادتهم، نزولاً عند طلب الحكومات العربية لهم كي يخلوا المناطق التي ستتعرض للعمليات الحربية العربية التي ستقضي على "الجيش الإسرائيلي" .

ورسم المؤرخون الجدد صورة أكثر واقعية تقترب إلى حد ما من الرواية الفلسطينية لوقائع تلك الحرب، والتي تبين أن تلك المطامع الصهيونية قد تم تحقيقها على حساب السكان الفلسطينيين وأن العرب أبعدوا عن طريق الطرد.

حقيقة المؤرخون الجدد
بعد أن أوجدت الصهيونية كياناً مزروعاً في القلب الإسلامي، أحس قادة اليهود أن الكثير من المصطلحات والأساطير والأكاذيب بحاجة إلى إعادة صياغة لما يحقق لليهود التلون حسب المرحلة والزمن، واستحدث "المؤرخون الجدد" أسلوباً جديداً، حيث أعادوا صياغة التاريخ المعاصر والذي ترادف مع قيام الكيان اليهودي على أرض فلسطين، وانتقدوا بل دحضوا الكثير من الأساطير والأكاذيب، لمتطلبات المرحلة القادمة من الانفتاح على العرب وأسواقهم تحت مسمى " شرق أوسطية جديد ".

وفجرت كتاباتهم الكثير من الجدل في الأوساط الصهيونية ... بسبب ما قام به هؤلاء المؤرخون من مراجعات للتاريخ الرسمي للدول العبرية، ولا سيما لمرحلة تأسيسها، وكشف حجم العنف والمجازر التي رافقت قيام هذه الدولة، كما كشفت أيضاً عند الرفض المستمر لقيادتها لمحاولات السلام مع العرب، إذ كان ذلك جدير بأن يحد من توسعتها على حسابهم.

وحتى اليوم لا تتعدى حركة المؤرخين الجدد كونها مجموعة من الأكاديميين الذين يجرون بحوثاً للتحقق من بعض الملابسات والتفاصيل المتعلقة بالصراع العرب الصهيوني منذ تأسيس الكيان اليهودي وحتى اليوم.

ويرى هؤلاء المؤرخون أن ولاة الحركة الصهيونية كانت ردة فعل على الاضطهاد الذي تعرض له اليهود، وجاءت إسرائيل لتكون حلاً ولو جزئياً لمشكلة يهود الشتات.

لهذا فأول ما تهدف إليه هذه الحركة تبرئة اليهودية من الصهيونية التي لم تعد مؤامراتها وأساطيرها قادرة على الصمود طويلاً مع ظهور وثائق ومستندات جديدة تدينها بصورة مستمرة ولذلك كان ميل الحركة لتبني شعار "ما بعد الصهيونية"، وذلك لتأمين استمرارية الكيان اليهودي، وإزالة قسم بسيط من العداء المتراكم ضدهم نتيجة لخضوعهم لإيحاءات الإرهاب الصهيوني ومشاركتهم فيه.

فالأوساط النخبوية لا تجد بأساً من تقديم اعترافات مر عليها الزمن ولم تعد تستوجب العقوبة، فالكيان اليهودي أصبح بحكم الواقع دولة موجودة وقوية ومتفوقة ويبقى إيجاد الصيغة المناسبة لاستمراريتها.
المؤرخون الجدد و" ما بعد الصهيونية ":
ويرى البعض أن ما بعد الصهيونية معادية للصهيونية وأنها تعيد النظر في كل المقولات الصهيونية الأساسية، بينما يؤكد البعض الآخر أن ما بعد الصهيونية إنما هي امتداد للصهيونية. ويصف بعض دعاة "ما بعد الصهيونية" أنفسهم مثل ( موريس ) أنه صهيوني يقوم بعمل يخدم به "إسرائيل" من خلال البحث عن الحقيقة التاريخية، بل يرى بعض هؤلاء أن ما بعد الصهيونية هي تحقيق للصهيونية، وأن السلام مع العرب هو الثمرة الطبيعية للإنجاز الصهيوني.

وكما يقول "بني موريس": "إن الكشف عن أعمال الطرد ومجازر ضد العرب في سنة 1948 م، وأعمال إسرائيل على امتداد الحدود في الخمسينيات، وعدم استعداد إسرائيل للقيام بتنازلات من أجل السلام مع دول عربية (الأردن وسوريا) بعد سنة 1948، ليس " دعاية معادية للصهيونية "، وإنما هو إضاءة لجانب من مسارات تاريخية مهمة، عتمت عليه عمداً طوال عشر سنوات من الأعوام "المؤسسة الإسرائيلية" بمن في ذلك الباحثون والصحافة – خدمة للحكومة وللأيديولوجيا السائدة ".

وبني موريس كما هو معروف بموضوعيته وبقراءاته المتجردة للتاريخ، إلا أن كتاباته لا تخلو من حس يهودي "حيث أنه يحمل إسرائيل مسئولية تهجير الفلسطينيين، ولكنه لا يعتبر أن ذلك حصل وفق خطة مدروسة وموضوعة مسبقاً ويصر موريس على أن هذا التهجير قد حصل بصورة عشوائية بل وبدعم من زعماء محليين!!.
بل إن بن جوريون نفسه – في السابق - طالب بحل المنظمة الصهيونية بعد تأسيس الدولة، فقد وصفها بأنها " التي تفقد وظيفتها بعد الانتهاء من البناء، وأن مهمة يهود العالم هي الهجرة إليها وحسب، وبإمكان الدولة الصهيونية الوصول إليهم مباشرة، دون وساطة المنظمة الصهيونية.
وقد خرج حملة خطاب ما بعد الصهيونية على النهج الصهيوني السائد والذي يقوم على لي عنق التاريخ والواقع من أجل إرساء المزاعم والادعاءات الصهيونية.
فتحدي "الرواية اليهودية" للأحداث أمر قام به بعض الباحثين من أمثال "إسرائيل شاحاك " من قبل بشكل منهجي شامل، أما يوري افينيري فقد أكد في أكثر من مناسبة أن الصهيونية انتهى دورها، وهناك من قال إن الصهيونية إن هي إلا حركة إنقاذ ليهود أوربا - من الكارثة المحيطة بهم - انتهى دورها مع إعلان الدولة الصهيونية.

وقد أوكل رابين إلى لجنة من المؤرخون الجدد ومؤيدوهم مهمة وضع كتب تنقض أساطير الصهيونية السياسية لتدريسها في المدارس، وتابعت هذه اللجنة عملها طيلة خمسة سنوات أصدرت في نهايتها مجموعة كتب منها كتاب المؤرخ الإسرائيلي الجديد "بني موريس" المعنون بـ " ضحايا الحق – تاريخ الصراع الصهيوني – العربي ( 1881 – 1999 ) والعام 1881 هو عام تأسيس أول مغتصبة صهيونية على يد يهود روس، ومع ذلك صوت الكنيست على قرار بحظر الكتاب المدرسي الجديد، الذي كان قد بدأ تدريسه قبلها بسنتين، والذي يقدم للأجيال رواية جديدة لحروب إسرائيل مع العرب.

حقيقة المؤرخون الجدد :
1-المؤرخون الجدد هم "علمانيون" يهود ، يرون أنفسهم أكثر تبصراً واستشرافاً للمستقبل، من منطلق أن مشروع الدولة " الصهيونية " قد بلغ مرحلة من الثقة بالنفس والاطمئنان على " الوجود " تقبل " ترف " إخضاع المقولات الأساسية والمقدسة في بعض الأحيان للمسائلة البحثية والأكاديمية.
2-وكل الدلائل تشير إلى علاقة هؤلاء المؤرخون بحزب العمل وبملكيتهم لخلفيات ليبرالية "، تنطلق هذه الحركة من دولة يهودية وتعمل لاستمراريتها !!.
3-والقضايا التي يثيرها المؤرخون الجدد لا تصل إلى حد التساؤل عن شرعية وجود الكيان اليهودي " إسرائيل " على أرض فلسطين ، ولكن ما تناقشه هو مسئولية الحركة الصهيونية من تهجير الفلسطينيين وأن الهجرة لم تكن طوعيه أو انصياعا لندوات من الحكام العرب إبان حرب 1948م للفلسطينيين بأن يغادروا أماكن القتال كما دأبت الدعاية الصهيونية على القول .
4-وحركة المؤرخون هي مجرد محاولة لإنقاذ الصهيونية من تطرفها وتمهيداً لمرحلة علمنة الانتماء اليهودي الذي ينقذ إسرائيل من خطر تناقص عدد اليهود في العالم مما أثر سلباً على التركيبة الديمغرافية في فلسطين لصالح أهلها الأصليين، فطرحت المناداة لتخفيف الشروط لتعريف من هو اليهودي.
5-ولم يخرج كون هؤلاء المؤرخون يهوداً يعشون على أرض مغتصبة، ويسهمون بشكل أو بآخر في استمرارية هذا الوجود على أرض فلسطين، ويعملون على أن يخضع للعقل تاريخ الكيان اليهودي منذ التأسيس، دون أن التصدى للأساطير الدينية ولخرافاتها التي أوجدت هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين.
6-والجدير بالذكر أن أعضاء هذا الفريق "الصهيوني" لا ينكرون شرعية ما يسمى "القومية اليهودية" التي أدت إلى إقامة الدولة على أرض مغتصبة اسمها فلسطين، والأهم من ذلك أن الخلاصات النهائية والاكتشافات التي تنقض ما كان سائداً من معرفة لا يترتب عليها مساءلات راهنة على الصعيد السياسي.
ولعل ما سبق يوصلنا إلى حقيقة المؤرخون الجدد الذين يمكننا وصفهم "محاربون في إسرائيل" ، "ومن أجل إسرائيل" ، فهم يخدمون الكيان اليهودي في مرحلته الحالية.

موقف المثقفين العرب من المؤرخون الجدد:
تبدو للوهلة الأولى أن أعمال المؤرخين الجدد، وكأنها تناصر العرب وروياتهم، ويعتبر "المؤرخون الجدد" بأن عملهم لا يكتمل بدون قيام حركة مؤرخين عرب جدد، بما يوحي إلى الانتقال إلى مرحلة تفاهم ما بعد الصهيونية بين العرب واليهود بما يخدم المرحلة القادمة.
ولهذا كان الموقف من المؤرخون الجدد متفاوت عند المثقفين العرب، فمنهم من أبدى الاستعداد للتعاون مع هذه الحركة، كونها أماطت اللثام عن الكثير من الأساطير اليهودية، وكشفت النقاب عن كم ضخم من الأكاذيب والافتراءات اليهودية على مر التاريخ وحتى يومنا هذا، ودعوا إلى التعاون المطلق معهم من عمل بحوث مشتركة، وإلقاء محاضرات لطلبتهم، والمشاركة في ندوات ولقاءات مشتركة، بل وإصدار مؤلفات مشتركة !!.
وطرف آخر من المثقفين أمثال د. محمد أحمد النابلسي حذروا من الركوب في مقطورتهم، ورفض الاستجابة للدعوة إلى التدوين المشترك ( عربي – إسرائيلي ) للتاريخ ، حيث أن الشيطان يكمن في التفاصيل، التي يجب علينا الانتباه عليها والتحذير من خطرها على مستقبل أجيالنا القادمة، والمرحلة الراهنة.
حيث يصف د. محمد أحمد النابلسي في كتابه " يهود يكرهون أنفسهم " " المؤرخون الجدد" بأنهم منقبين في الوثائق المعلنة - بعد 30 سنة - من قبل المخابرات في الكيان اليهودي ، ويعيدوا صياغة هذه الوثائق لتسويقها وكأنها آراء ومواقف شخصية، ويقول: لذلك فإن "المؤرخ الجديد" هو مجرد نصاب - برأي المؤلف - ويحذر بشدة من الاستجابة للدعوة إلى التدوين المشترك ( عربي – إسرائيلي ) للتاريخ .

والبعض يرى أن "المؤرخون الجدد" ليسوا جدداً أو مؤرخين فعليين، بل هم محاربون يسعون إلى إضفاء احترام جامعي أكاديميى على آراء قديمة مغلوطة، فهولاء بنوا آراءهم وتصحيحاتهم على أساطير خاطئة . . . كالذي بنى بيتاً على أرض مسروقة مسلوبة، وعند مراجعته قيل له لا يحق لك أن تحرم جيرانك من حقوقهم !!، أو توسع حديقة بيتك !! .
ويرى الطرف الأخير أن معرفة حقيقة "المؤرخون الجدد" لا تمنع من ترجمة مؤلفاتهم والاستفادة من مراجعاتهم التاريخية، وفضحهم للممارسات الصهيونية وأعمال القمع والقهر التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وقراءة ما يقدمه لنا المؤرخون الجدد من معلومات ووقائع ودراسات، واستثمارها في كشف أكاذيب اليهود وأساطيرهم ، بنصوص ووثائق واعترافات تثبت حقنا بأرضنا ومقدساتنا.

ما دورنـا ؟!
التاريخ وللأسف يكتبه القوي المنتصر!!، وأما الضعيف المغلوب على أمره، لا يكتفى بأن يعيش بهزيمته وآلامه، بل عليه أن يرضى ويصدق بهذا التاريخ، ويقبل بسرد الوقائع التي وقعت أمام عينه بصور مغايرة للحقائق، انطلاقاً من المقولة " التاريخ صنع المنتصرين "!!.

وخلال مسيرة الصراع غيروا وبدلوا الكثير، فكتبوا التأريخ كما هم أرادوا، لتخدم مصالحهم، وتكرس احتلالهم، وتبرر ممارساتهم، فكان سرد الأحداث صنيعهم، حتى صدقهم الغرب وأيدهم، وصدقهم كذلك إخواننا وبني جلدتنا !!.

فهم يكتبون التاريخ ثم يقولون بعد أكثر من خمسون سنة قفوا !! هناك مراجعات، ونأسف أن كتبنا الكثير من الأكاذيب وأنصاف الحقائق، دون أن يجرؤ أحد على الكلام !! ، نريد أن نكون منصفين في كتابة التأريخ الجديد، ولا بد من أن نعيد النظر فيما كتب لخدمتنا جميعاً !!، فهم الذين كتبوه، وهم الآن يعيدوا صياغته .

فعمدوا إلى التضليل وقلب الحقائق، عبر غارات من الأكاذيب والافتراءات التي تتعرض لها عقولنا وأسماعنا وذاكرتنا، من منطلق " إذا أردت أن تقتل عدواً لا تطلق عليه رصاصة بل أكذوبة" ، ليصبح القمع حرية، والحرب سلاماً، والباطل حقيقةً، والحقيقة باطلاً، والاغتصاب تحرير، ومقاومة المحتل إرهاب ...!!.

وأطلقوا الكثير من الأكاذيب والإشاعات لتبرير احتلال أرض فلسطين وإقامة كيانهم عليها، وأشاعوا أنهم يهاجرون إلى أرض بلا شعب، صحراء قاحلة، وعدهم الله إياها، وأشاعوا أنهم لم يأخذوا أراضي فلسطين إلا بيعاً من الفلسطينيين، وشراء من اليهود.

لا شك أننا أمام تزييف حقيقي للتاريخ المعاصر، حيث أصبح الكذب على تاريخ هذه الأمة وتزييف حقائقه الماضية والمحاضرة خطاً مستمراً ينمو مع الأيام، نعم كان ساذجاً في البداية، ولكنه تعقد مع الزمن، فأصبحت له قواعده وأصوله وأساتذته ومراكزه وجامعاته.

والتأريخ الذي نحن بحاجة له لا تأريخ اليهود والصهاينة، ولا المؤرخون الجدد"، ولكننا بحاجة إلى تاريخ عربي إسلامي للأحداث المعاصرة وبحاجة إلى رواية ووثائق عربية رسمية تقدم للباحثين والمؤرخين.
وبحاجة إلى روايات دقيقة موثقة (لدحض) أكاذيب اليهود التي انطلت على الكثير بل أصبحت مسلمات لا مجال لإنكارها أو التشكيك فيها، وهذا ما يدعونا إلى معرفة التحدي الذي نواجهه، تاريخ يسرق ويتم الاستحواذ عليه قطعة قطعة، وحجراً حجراً، إنهم يعاقبون أمتنا بالتدمير والتفكيك، وسرقة ذاكرتها وسلب روحها وتحويلها إلى أمة بلا تاريخ.

وأمام هذا الواقع المرير ينبغي أن تكون لدينا مراكز دراسات وأبحاث لدراسة تاريخنا الماضي وتحقيقه وتوثيق تاريخنا المعاصر ليكون لدينا تاريخاً مقروناً بالأدلة يغرس في نفوس أبناء الأمة عبر الوسائل الإعلامية المتاحة، كي تستطيع الأجيال أن تحفظ هويتها وتاريخها من مخطط التشويه والتحريف.

وكذلك الالتفاف حول العلماء المعتبرين، والتعاون معهم لتزويدهم بصفة مستمرة ما يخطط له الأعداء، وحاملوا لواء التأريخ للأمة، وعرض أهم الدراسات التي يقدمها المختصون لتبيان مدى مشروعيتها، والتحذير من مخاطرها.

والعمل على نشر الدراسات والإحصاءات والتقارير الموثقة حول الجهود المبذولة لتشويه التأريخ، وإعادة الصياغة بما يخدم مخططاتهم التوسعية، للتمكن من السيطرة والتغلغل.
وعمل منهج تربوي علمي لجميع المراحل التعليمية " الابتدائية - المتوسطة - الثانوي - الجامعي، وحث وزارات التربية والتعليم في دولنا الإسلامية على جعل مساق القدس وتأريخ فلسطين والصراع مع الكيان اليهودي ضمن مناهج التربية والتعليم لدى الطالب في مختلف المراحل وإدخالها كفرع في مادة التربية الإسلامية ومادة التاريخ وفي حصص الثقافة العامة والأنشطة المدرسية.
إضافة إلى تبني طباعة الكتب المتميزة، والنشرات باللغات الأجنبية التي تخدم قضية الأقصى، وتاريخ فلسطين، والصراع على المقدسات، بوجهة نظر إسلامية موضوعية.
والحمد لله رب العالمين ،،،

تقرير حال القدس الثاني من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو لعام 2014


تقرير حال القدس الثاني من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو لعام 2014
تقرير حال القدس الثاني من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو لعام 2014
"القدس الدولية" تصدر تقرير حال القدس الثاني لعام 2014:
الاحتلال يشدّد التضييق على الأقصى ويصادق على خطة لتعزيز السيطرة على شرق القدس

أصدرت مؤسسة القدس الدولية تقرير حال القدس الثاني الذي يرصد أبرز تطورات الفصل الثاني من عام 2014. وتناول التقرير أبرز تطورات مشروع التهويد الثقافي والديني والديموغرافي في القدس المحتلة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو بالإضافة إلى تطوّرات المواقف السياسية العربية والفلسطينية والإسرائيلية والدولية خلال هذه المدّة التي شهدت احتفال دولة الاحتلال بالذكرى السابعة والأربعين لاستكمال احتلال القدس عبر التأكيد أن "القدس قلب الأمة، وقلب الأمة لن يقسم".
وسلّط التّقرير الضّوء على استهداف الاحتلال للأقصى عبر التضييق على المصلين ومصادرة هوياتهم وفرض قيود عمرية على الداخلين ولا سيما في أيام الجمعة وعرض التقرير توصيات "لجنة تْسُور" التي تطالب في جزء منها بتوسيع صلاحية قائد الشرطة في إغلاق أبواب الأقصى كافة وإبعاد المصلّين ومنع دخولهم عندما تدعو الحاجة إلى ذلك ما يساعد على تحديد اتجاهات الاحتلال حيال الأقصى في المدة القادمة.
وعرض التقرير لاحتفال "إسرائيل" بالذكرى السابعة والأربعين لاستكمال احتلال القدس عبر مواقف سياسية أكدت التمسك بالقدس عاصمة موحدة للدولة العبرية وإتباع ذلك بمصادقة الحكومة على خطة لـ "تعزيز التواصل بين سكان شرق القدس وإسرائيل". كما تحدّث التقرير عن الموقف الأسترالي حيال وصف شرق القدس بالمحتلة مع إطلالة على أبرز المواقف الأسترالية المنحازة لدولة الاحتلال.

****************************

الملخص التنفيذي
"القدس قلب الأمة، وقلب الأمة لن يقسم". هكذا ينظر نتنياهو إلى القدس في الذكرى السابعة والأربعين لاستكمال احتلالها، حيث تستغل هذه المناسبة السنوية لتعيد دولة الاحتلال بمكوناتها كافة تلاوة صلاة العاصمة الموحدة للدولة العبرية والتي لا يمكن تقسيمها أو التنازل عنها. وهكذا، لا تنقضي الأيام في القدس إلا لتكشف المزيد من السياسات التهويدية التي يمارسها الاحتلال لبسط سيطرته على المدينة ومقدساتها، فاستمرت اقتحامات الأقصى خلال المدة التي يرصدها التقرير في مقابل تزايد التضييق على المسلمين وفرض قيود عمريّة وزمنية على دخولهم المسجد. أما تقرير "لجنة تْسُور" فأوصى بتوسيع صلاحية قائد شرطة الاحتلال في القدس في ما يتعلق بإغلاق أبواب الأقصى وإبعاد المصلين أو منعهم من دخول المسجد. كما استمر التهويد الديموغرافي عبر البناء الاستيطاني الذي وصفه عضو "الكنيست" من حزب "البيت اليهودي" نفتالي بينت بالعمل الصهيوني الذي لا يمكن الاعتذار عنه بما هو جزء من سياسة الدولة العبرية وعقيدتها. كما شهدت مدة الرصد انتخاب رئيس جديد لدولة الاحتلال في 10/6/2014 خلفًا لشيمون بيريس المنتهية ولايته، والرئيس الجديد روفين روفلين (ليكود) معروف بدعمه للاستيطان وكان قد شارك في اقتحام الأقصى عام 2000 مع شارون وفي حرب احتلال الأقصى عام 1967. وفي أجواء متصلة باحتفال "إسرائيل" بالذكرى السابعة والأربعين لاستكمال احتلال القدس صادقت حكومة الاحتلال على خطة قيمتها حوالي 86 مليون دولار وذلك لتعزيز سيطرتها على شرق القدس.
إذًا، في تطورات التهويد الديني والثقافي فقد تواصلت اقتحامات المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى وسجل أكبر اقتحام في 3/6/2014 بمناسبة الاحتفال بما يسمى "عيد نزول التوراة-الشفوعوت" حيث وصل عدد المقتحمين إلى حوالي 400 في وقت منعت الشرطة المسلمين من دخول المسجد. وتكرر خلال مدة الرصد فرض شروط عمرية على المصلين لتمنع الشرطة من هم دون الخمسين أو الخامسة والأربعين من أداء صلاة الجمعة بشكل خاص. كما عمدت الشرطة بشكل متكرر إلى مصادرة هويات المصلين قبل دخولهم إلى المسجد وتحويلها إلى مركز شرطة القشلة، ومن ثم حملهم على استلامها من هناك ضمن ممارساتها الرامية إلى تثبيط المسلمين عن المسجد بسبب ما يتعرّضون له من ضغط من قبل الاحتلال. وفي إطار تهويد الأقصى، عقدت لجنة الداخلية في "الكنيست" في 19/5/2014 جلسة تحت عنوان "الاهتمام بالمبكى الصغير" للتباحث بشأن وقف رباط الكرد (حوش الشهابي) الذي يعتبره الاحتلال جزءًا من حائط البراق المحتل. واعتبرت مضامين الجلسة رباط الكرد مقدسًا يهوديًا، غير تابع للأوقاف الإسلامية، ولا صلاحية للأردن بالتدخل في شؤونه وخلصت إلى الاستمرار بالعمل على توسيع رقعة السيطرة على الوقف وتوسيع ساحة ومساحة الصلوات اليهودية فيه، من خلال أعمال إزالة لمنصوبات حديدية في الموقع.
وفي تطور مشروع التقسيم الزمني للأقصى كان لافتًا خلال مدة الرصد دعم نائب من حزب العمل (اليسار-الوسط) لاقتراح مشروع يقضي بقسيم الأقصى زمنيًا. فقد كشفت "يديعوت أحرونوت" العبرية في 18/5/2014 عن اقتراح مشترك بين حيليك بار وميري ريغف، رئيسة لجنة الداخلية في "الكنيست"، يقضي بالمساواة في العبادة بين المسلمين واليهود كما هي الحال في المسجد الإبراهيمي بالخليل. وقال بار في تعليق على الاقتراح إن "حب الدين اليهودي، والتوراة، والقيم التاريخية والصهيونية، والقدس ومقدساتها، ليس حكرًا على اليمين حتى وإن حاول أحيانًا تصوير الأمر على أنه كذلك" معتبرًا أنه "لم يعد مقبولاً عند صعود نواب من اليمين إلى جبل المعبد للصلاة هناك التهديد باندلاع انتفاضة ثالثة، ولا بد من نظام جديد يحترم فيه كل طرف حقوق الطرف الآخر". إلا أن هذه المحاولة لكسر "احتكار اليمين للدفاع عن أقدس مقدسات اليهود" أثارت ردود فعل من النواب العرب في "الكنيست" ومن اليسار وكذلك من الأردن. كما تلقّى بار تحذيرات من "الشاباك" لجهة أن الاقتراح المقدَّم يمكن أن يؤدي إلى "أحداث شغب" قد تكون في أكثر الأحوال تفاؤلاً شبيهة بانتفاضة الأقصى الثانية. وعلى أثر ذلك أعلن بار سحب دعمه للاقتراح متسائلاً: "إذا كانت المساواة في أوقات الصلاة في المسجد الإبراهيمي بالخليل تسير بشكل جيد فلماذا لا يكون الأمر كذلك في جبل المعبد"؟ ولا شك في أن هذا التراجع لا يعني إلغاء مشروع التقسيم أو العدول عنه إذ يبقى أحد أدوات تعميق السيطرة على الأقصى.
وبموازاة ذلك كان شهر حزيران/يونيو موعدًا لتقديم "لجنة تْسُور" تقريرها لمناقشته في "الكنيست". وكانت لجنة الداخلية أقرّت تشكيل اللجنة في5/3/2014 مهمتها تنفيذ قرارات الحكومة الاسرائيلية بشأن اقتحامات اليهود للمسجد الأقصى وفحص إمكانية "صعودهم" إليه بشكل يومي ولمدة ثلاث ساعات ونصف. ومن توصيات اللجنة عدم تخصيص مكان لصلاة اليهود في الأقصى لأن من شأن ذلك المساس بالوضع القائم، كما أوصت بالسماح للزوار بدخول الأقصى أيام السبت بعد إغلاقه أمام "السياح" عام 2000 في أعقاب الانتفاضة الثانية. ومن التوصيات أيضًا إغلاق المسجد الأقصى أمام جميع الزوار، بمن فيهم المسلمون، في كل مرة تحصل فيها مواجهات وبتوسيع صلاحيات قائد شرطة القدس لجهة إغلاق كامل للمسجد الأقصى، وتوسيع صلاحياته بإصدار أوامر منع وإبعاد مصلّين عن المسجد الأقصى. وهكذا تفتح "لجنة تْسُور" الباب أمام مزيد من الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأقصى والمصلين تبشّر بالمزيد من التضييق والإجراءات المشددة والاعتقالات والإبعاد مع إعطاء الشرطة هامشًا واسعًا في هذا المجال.
أما على صعيد التهويد الديموغرافي، فقد استمرت أعمال البناء الاستيطاني في الوقت الذي وصلت فيه المفاوضات إلى حائط مسدود مع الإشارة إلى أن المشروع الاستيطاني قائم ومستقل بذاته بمعزل عن التطورات السياسية التي يمكن أن تطرأ وإن كانت بعض التطورات تتخذ حجة وستارًا لتمرير بعض المشاريع. فقد أعادت ما تسمى بـ "سلطة الأراضي" في دولة الاحتلال في 1/4/2014 نشر عطاءات لبناء 708 وحدات في مستوطنة "جيلو" وذلك بالتزامن مع لقاء وزير الخارجية الأميركي برئيس حكومة الاحتلال للتّوصل إلى اتفاق يحول دون توقّف المفاوضات. أما في 26/5/2014، فأعطت بلدية الاحتلال في القدس الضوء الأخضر لبناء 50 وحدة جديدة في 5 بنايات في مستوطنة "هار حوما" (جبل أبو غنيم) بالتزامن مع اختتام بابا الفاتيكان زيارة إلى الأراضي المحتلة استمرّت يومين. وفي 4/6/2014، أصدر وزير الإسكان أوري أريئيل عروض مناقصات لبناء 1500 وحدة استيطانية، 1100 وحدة منها في الضفة الغربية و400 وحدة أخرى في شرق القدس المحتلة وذلك بعد الإعلان في 2/6 عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني. إلا أن ضغوطًا من سفراء خمس دول أوروبية أدت إلى تأجيل مناقشة المخططات ولم يصادق المجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية إلا على مخططات بناء 381 وحدة في مستوطنة "جفعات زئيف" بشرق القدس.
وفي المواقف السياسية، فقد أعاد قادة الاحتلال في الذكرى السابعة والأربعين لاستكمال احتلال القدس تأكيد تمسكهم بالقدس عاصمة موحدة للدولة العبرية، فشدد نتنياهو في الذكرى على أن "القدس قلب الأمة، وقلب الأمة لن يقسَّم". ومثله وزير الإسكان الذي تعهد بأنّ "القدس لن تقسم مرة أخرى، والبناء الاستيطاني لن يتوقّف ولن نطيق أيّ تأخير أو قيود على البناء، وسنبني في القدس وفي الضفة وفي أي مكان من أرضنا". ولم يكن خطاب اليسار ليعتمد لغة أخرى حيث قال عضو "الكنيست" وزعيم حزب العمل يتسحاق هرتسوغ إنه "إن كان لليهود من قلب فالقدس هي قلبهم وهي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي ولإسرائيل".
وغير بعيد عن أجواء "القدس الموحدة"، صادقت حكومة الاحتلال في 29/6/2014 على خطة بقيمة 86 مليون دولار تمتد على خمس سنوات وتهدف إلى منع أي تقسيم للقدس في حال أي اتفاق مستقبلي مع السلطة الفلسطينية. ووفقًا لصحيفة "هآرتس" تهدف الخطة إلى تقوية الترابط بين سكان شرقي القدس من الفلسطينيين والبالغ عددهم 300 ألف مواطن، وبين دولة الاحتلال. ومن شأن الخطة تكريس احتلال شرق القدس عبر اعتباره "جزءًا من عاصمة الاحتلال وليس جزءًا محتلاً وفق القرارات الدولية.
أما أستراليا فاحتفلت على طريقتها بذكرى احتلال شرق القدس مع إعلان المدعي العام جورج برانديس في 5/6/2014 أن وصف شرق القدس بالمحتلة تعبير مشحون وله آثار ازدرائية وأن الحكومة الأسترالية لن تعتمد لغة تحقيرية لوصف المناطق الخاضعة للمفاوضات. وفي محاولة لتسويق هذا "الابتكار" قال بيان المدعي العام إن أستراليا تؤيد حلاً سلميًا للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني وتعترف بحق "إسرائيل" في الوجود بسلام ضمن حدود آمنة كما تعترف بتطلعات الشعب الفلسطيني إلى إقامة دولته. إلا أنّ احتجاجات عربية وإسلامية على المستوى الرسمي دفعت وزيرة الخارجية جولي بيشوب إلى توضيح هذا التعديل الذي "لا يتعدى البعد اللغوي". لكن التوضيح الهش لا يلغي تاريخًا من الانحياز الأسترالي لدولة الاحتلال بدأ منذ تصويت أستراليا في الأمم المتحدة على قرار التقسيم توالى من بعدها عبر دعم "إسرائيل" في حرب حزيران/يونيو 1967 ومن ثم التصويت عام 2004 ضد قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يوصي بأن تحترم "إسرائيل" فتوى محكمة العدل الدولية بخصوص جدار الفصل العنصري، وفي 2013 ضد مشروعي قانون في الجمعية العامة للأمم المتحدة أحدهما يدعو "إسرائيل" إلى وقف بناء الجدار العازل والآخر يعكس مخاوف من ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة وغير ذلك من المواقف.
وفي سياق آخر، اعتمدت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو في 23/6/2014 قرارًا بالمحافظة على البلدة القديمة في القدس وأسوارها وقد أيدت القرار 12 دولة مقابل اعتراض 8 دول وامتناع دولة واحدة عن التصويت. وطالب القرار دولة الاحتلال بالوقف الفوري لحفرياتها ولكل انتهاكاتها ضد تراث البلدة القديمة منددًا بالاقتحامات الاستفزازية للمسجد الأقصى. إلا أن تاريخ "إسرائيل" لم يشهد إلا التعنت حيال قرارات اليونسكو والمزيد من الاعتداءات على تراث البلدة القديمة وإرثها التاريخي والثقافي ما يعني أن القرارات بذاتها ليست كافية للجم هذه الممارسات ولا بدّ من آليات لتفعيلها وتطبيقها وإلزام الاحتلال بتنفيذها.
هذه إذًا أبرز ملامح المشهد المقدسي في الربع الثاني من عام 2014 حيث لا يتراجع الاحتلال عن تنفيذ مشروع التهويد ويحشد عبر الكلام والأفعال لتكريس السيطرة على القدس وتكريسها عاصمة موحدة لدولته. أما الأقصى ففي عين العاصفة يصمد بصمود عمّاره ومرابطيه الذين يواجهون المزيد من تضييقات الاحتلال في سعيه إلى إنقاص عددهم وصدّهم عن مسجدهم وإبعادهم عنه. ولكن التطورات التي حملتها الأيام الأولى من شهر تموز/يوليو بعد إقدام مستوطنين على إحراق وقتل الفتى المقدسي محمد أبو خضير قد تمهّد لصفحة جديدة في حركة المقدسيين ضد الاحتلال.

لتحميل التقرير كاملا بصيغة PDF اضغط هنا

لتحميل التقرير بصيغة DOCX إضغط هنا

’’خذني معك’’ قصيدة سميح القاسم في رثاء محمود درويش


’’خذني معك’’ قصيدة سميح القاسم في رثاء محمود درويش
سميح القاسم يرثي صديقه ورفيق دربه محمود درويش: الى محمود ...
’’خذني معك’’ قصيدة سميح القاسم في رثاء محمود درويش

تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني
ووزرِ حياتي
وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ،
أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟
وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً،
وآثَرتَ حُزني مَلاذا
أجبني. أجبني.. لماذا؟.
• • • • •
عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ
وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ
تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ.
مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ
وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ
أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي
وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ
هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ
لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ
أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي
ونحنُ عذابُ الدروبِ
وسخطُ الجِهاتِ
ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ
وعَجْزُ اللُّغاتِ
وبَعضُ الصَّلاةِ
على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ
وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ
وأعدائِنا الطارئينْ
ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ
يُحبّونَنا مَيِّتينْ
ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي
بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ
وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ
مِن باطلِ الباطِلِ
ومِن بابل بابلٍ
إلى بابلٍ بابلِ
ومِن تافِهٍ قاتلٍ
إلى تافِهٍ جاهِلِ
ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ
إلى مُتخَمٍ قاتلِ
ومِن مفترٍ سافلٍ
إلى مُدَّعٍ فاشِلِ
ومِن زائِلٍ زائِلٍ
إلى زائِلٍ زائِلِ
وماذا وَجَدْتَ هُناكْ
سِوى مَا سِوايَ
وماذا وَجّدْتَ
سِوى مَا سِواكْ؟
أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ
تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ
وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ.
ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ
وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ
لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ،
صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ
أنا أوَّلَ الأسئلَهْ
إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ
لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ
وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ
إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ.
• • • • •
تَخَفَّيْتَ بِالموتِ،
تَكتيكُنا لم يُطِعْ إستراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ
ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ.
ومَا مِن صُفوفٍ. ومَا مِن سَرايا. ومَا مِن كَتائِبْ
ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ.
ومَا مِن أقارِبْ
تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ
زَحْفُ العَقَارِبْ
يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ
ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا
بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا.
وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ.
• • • • •
وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ
عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ
تَدَافَعْنَ فَحماً وشَمعاً
تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ
وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ
عنِ الثَّروةِ الممكنهْ
عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ
وسِرِّ العَقيدَهْ
وأوجاعِها المزمِنَهْ
وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ
وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ
فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟
جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ:
أينَ الوصيَّهْ؟
نُريدُ الوصيَّهْ!
ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ
لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ
وأنتَ الوصيَّهْ
وسِرُّ القضيَّهْ
ولكنَّها الجاهليَّهْ
أجلْ يا أخي في عَذابي
وفي مِحْنَتي واغترابي
أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ
وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ،
والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ
ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ
وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ
وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ
واللهُ أكبَرُْ.
• • • • •
سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا
وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا
قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ،
نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا
وَلاميّةَ الشّنفرى
وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون
ومُعجزَةَ المتنبّي،
أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا
قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت
وشوقَ أتاتورك. هذا الحقيقيّ
شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ
لأُمِّ محمَّدْ
وطفلِ العَذابِ محمَّد
وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ
قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا
لبِروَتنا السَّالِفَهْ
وَرامَتِنا الخائِفَهْ
وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ
لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ
وللأمَّةِ الصَّابرَهْ
وللثورَةِ الزَّاحفَهْ
وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ
وساعاتِنا الواقِفَهْ
وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ.
• • • • •
وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ
وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي
كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ
كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ
وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ
كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ،
وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ،
وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ،
كَرِهْنا زبانيةَ الدولِ الكاذِبَهْ
وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ
كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ
وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ
كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ
وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ
يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم،
يكذبُونْ
وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ
ويلقونَنَا للسَّرابِ
ويلقونَنَا للأفاعِي
ويلقونَنَا للذّئابِ
ويلقونَنَا في الخرابِ
ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ
وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ
بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ
وعَافَتْ جَهَنَّمْ
لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً. ولماذا
نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ
على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ
وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟..
ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب
ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟
• • • • •
تذكَّرْ..
وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ.
فحاول إذن.. وتذكَّرْ
تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ
لأُمَّينِ في واحِدَهْ
ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ
وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يُجيدُ الصّياحْ
ولا يتذمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ
تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ
كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ
وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ
ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ
وأيتام هتلَرْ
ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ
ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ
ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ
فَلا تتذكِّرْ
قيوداً وسجناً وعسكَرْ
وبيتاً مُدَمَّرْ
وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ
وَلا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ.
• • • • •
لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ،
نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ..
ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ
وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ
سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ
وَدَمْعٍ سَخيّ
نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ
وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ
وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ
ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ،
عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ
ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى
يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ:
على وَرَقِ السنديانْ
وُلِدْنا صباحاً
لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ
ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا
في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ
على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً.
كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ
وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا
والنّشيدُ احتَرَقْ
بنارِ مَدَامِعِنا
والوَرَقْ
يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ
وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ
وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ
على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ
وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ
بَكَى صاحبي،
على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً
بَكَى صاحبي..
وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ
على سَطحِ بَيْتْ
ألا ليتَ لَيتْ
ويا ليتَ لَيتْ
وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ.
• • • • •
ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ
أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي..
وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي
وقلبُكَ.. قلبي.
• • • • •
يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ
وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا
حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ
وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ
على خطأٍ مَطْبَعِيّ
وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ
لِسَكْرَةِ جَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ
وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ..
والناسُ فيهم ـ سِوانا ـ المسَرَّهْ
أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟
مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ
وَآخرِ مَرَّهْ
وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ
نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ
وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ
ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ
ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ.
• • • • •
تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ
السِّنينْ
وعِبءِ الحنينْ
وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً
دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ.
أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟
تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟
هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ
على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه.
أمْ أدَّعي
أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ
وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ
وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ،
تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ
وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ
في صالَةٍ دافِئَهْ
بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ
أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ..
أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ.
• • • • •
إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ.

هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم:
راشد حسين
فدوى طوقان
توفيق زيّاد
إميل توما
مُعين بسيسو
عصام العباسي
ياسر عرفات
إميل حبيبي
الشيخ إمام
أحمد ياسين
سعدالله ونُّوس
كاتب ياسين
جورج حبش
نجيب محفوظ
أبو علي مصطفى
يوسف حنا
ممدوح عدوان
خليل الوزير
نزيه خير
رفائيل ألبرتي
ناجي العلي
إسماعيل شمُّوط
بلند الحيدري
محمد مهدي الجواهري
يانيس ريتسوس
ألكسندر بن
يوسف شاهين
يوسف إدريس
سهيل إدريس
رجاء النقاش
عبد الوهاب البياتي
غسَّان كنفاني
نزار قباني
كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ فسلِّم عليهم. وسَوفَ
تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ سامي . أخانا الجميلَ الأصيلَ.
وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ
سامي مَع العودِ في قَعدَةِ العَينِ .. سامي مَضَى
وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ
وأنتُمْ أبَدْ
يضُمُّ الأبَدْ
ويَمْحُو الأبَدْ
وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ
للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ.
حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ
يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ
ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ
ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ المعادْ
وحُلم المغنّي كِفاحٌ
وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ.
• • • • •
إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ
في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ
أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ
وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ..
لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ
وخُذني مَعَكْ
خُذني مَعَكْ.