بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-07-16

الإمام أحمد بن حنبل/ إمام الإتباع.


الإمام أحمد بن حنبل/ إمام الإتباع.
قليل من الناس من ينال الخلود بعلمه وعقله وهو حي يسعى على قدمين ...
ففي حياة الإمام أحمد ذاع علمه واشتهرت مواقفه ويروى أن أحمد سعيد الرازي وهو أحد شيوخ الإمام احمد قال عنه - وهو شاب ( ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل).
وكان الإمام الشافعي أحد شيوخ الإمام أحمد وحين غادر الشافعي بغداد إلى مصر واستقر بها قال الشافعي لتلميذه حرملة المصري "خرجت من بغداد وما خلفت بها أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل".

حياة الإمــــــــام
عام 164هـ ولد أحمد بن حنبل بمدينه بغداد وكانت أمه حاملا به حين عادت من مدينة "مرو" بوسط آسيا إلى مدينة بغداد.
وأحمد بن حنبل عربي شيباني من جهتين معا: أبوه وأمه... وقبيلة شيبان التي ينتسب إليها
أحمد قبيلة ربعيه (نسبة إلى بني ربيعه) عدنانية وقبيلة شيبان كانت أبرز القبائل الربعية.
وكانت منازل شيبان بالبصرة بعد إنشاء عمر بن الخطاب لها سنة 16 هـ وكانت أسره أحمد وأسرة أمه مقيمتين ببيداء البصرة.
وكان عبد الملك بن سوادة بن هند من رجلاً من وجوة شيبان، وجداً لأسرة أحمد ويستضيف قبائل العرب عندما ينزلون البصرة.

وكان لآل شيبان بالبصرة مسجد هو مسجد "مازن" ولقد اعتاد أحمد أن يصلى فيه كلما نزل إلى البصرة ويقول لمن يسأله إنه مسجد أبائى.
والجد الأقرب لأحمد هو "حنبل بن هلال" وكان هذا الجد قد انتقل بأسرته إلى خرسان حين صار واليا في العهد الأموى ولقد انضم هذا الجد إلى صفوف الداعين ضد بني أميه.

وأبو أحمد هو "محمد بن حنبل" وكان جنديا بالجيش العباسي ويقال إنه كان قائدا يرتدى زى الغزاة فيما وراء الحدود الإسلامية ولقد مات هذا الأب شابا وعمره ثلاثون سنة.
وعم أحمد كان من عيون الولاة في بغداد يرسل إليهم بالأخبار ليعلم بها الخليفة العباسي وكان أحمد يتورع وهو في صغره عن مشاركة عمه في عمله وكان عمه قد صار عليه وصيا إثر وفاه أبيه.
نشأ أحمد يتيما مثلما نشأ شيخه الشافعي يتيما... فلم ير أحمد أباه ولا جده وكان على أمه وأسرة أبيه القيام على تربيته. ولحسن حظ أحمد فقد كان له من ميراث أبيه ببغداد... منزل يسكنه مع أمه ومنزل آخر به حوانيت (دكاكين) يدر عليه عائدا يتيح له كفافا من العيش فاستغنى بهذا العائد عما في أيدى الناس ووجد المأوى.

ودفع أحمد يتمه وشرف نسبه وحرمانه من ترف العيش وقناعته ونزوعه للتقوى إلى أن يكون سامي النفس وأن يكرس مواهبه من ذكاء العقل إلى طلب العلم.

وحفظ أحمد القرآن الكريم ثم أخذ يتردد على الديوان ليتمرن على الكتابة والتحرير.

وكان أحمد وهو صبى صغير محل ثقة الرجال والنساء الذين ذهب أبناؤهم أو أخواتهم أو أباؤهم إلى ساحات القتال فقد كانوا يستكتبونه وهو لا يزال صغيرا ببغداد رسائل ذويهم المقاتلين فيكتبها لهم ويجيبون إليه بالردود فيقرأاها عليهم.
ومنذ الصبا كانت في أحمد رجولة وصبر وجد وقدرة على احتمال ما يكره بروح من التقوى... ولقد دفعت هذه الروح (الهيثم بن جميل) إلى أن يقول عن أحمد "إن عاش هذا الفتى فسيكون حجه على أهل زمانه".

وفى بغداد اتجه أحمد إلى طلب العلم وكانت بغداد آنذاك منارة لعلوم الدين واللغة والرياضة والفلسفة والتصوف... واختار أحمد علم الحديث، وبه بدا ثم أردفه بطلب الفقه. وبدأت مسيره أحمد في طلب الحديث ببغداد بين عام 179 هـ، 186 هـ ثم توالت أسفاره في طلب الحديث خارج بغداد.
وكتب أحمد نحوا من ثلاثة آلاف حديث عن الحج وبعض التفسير وكتاب القضاء وكتبا أخرى صغيرة من كتب (أبواب) الحديث.
ولقد توالت رحلات أحمد في طلب الحديث خلال عمره وبينها خمس رحلات إلى البصرة وخمس رحلات إلى الحجاز... وفى أولى رحلاته إلى مكة التقى بالشافعي وعمره 24 سنة حين كان يؤدى فريضة الحج لأول مرة ماشيا على قدميه من بغداد إلى مكة.
وفى هذه الرحلات كان أحمد معنيا بتدوين كل ما يسمعه من أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وأثار أصحابه ولا يعتمد على ذاكرته وحدها.
وحين كان أحمد يحدث الناس بالحديث لم يكن يحدثهم من ذاكرته وحدها خشيه أن يضل وينسى وإنما كان يحدثهم بما كتبه ونقله حرصا على التقوى والدقة مع أنه كان كثير الحفظ قوى الذاكرة.
ومع تعلم أحمد للحديث سماعا وحفظا وتدوينا كان يتعلم الاستنباط والتحري وفهم النصوص وغاياتها ويطلب لقاء الفقهاء وكطلبه للقاء المحدثين... وكان الإمام الشافعي هو أشهر من التقى به أحمد وتعلم على يديه التخريج الفقهي وأصول الاستنباط للأحكام ومناهجه.
ولقد جمع ابن حنبل في رحلة حياته فتاوى أصحابه مع جمعه للأحاديث ومعانيها الفقهيه.... فالتقى بذلك الحديث والفقه معا في شخص أحمد بن حنبل ومسنده ومذهبه كإمام.
في سن الأربعين جلس أحمد بن حنبل للتحديث والفتوى بمساجد بغداد ومساجد المدائن الإسلامية التي يرتحل إليها في الوقت نفسه طلبا لمزيد من العلم... فكان في وقت واحد عالما وطالب علم.

وبدأ أحمد مجلسه العلمي كإمام في بغداد سنة 204 هـ وهى السنة التي توفى فيها الإمام الشافعي بالقاهرة فلم يستسغ احمد أن يجلس للتحديث والفتوى وبعض من شيوخه الكبار حي يحدث ويفتى.
ولم يحدْ احمد في مجالسه وحياته على السواء عن إتباع السنة فهو يفعل كل ما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعله ولا يفعل ما لم يكن يفعله.

ولم يكتم أحمد طوال حياته عن احد علما ولا حديثا لأن الله تعالى نهى عن كتمان العلم.... ولأن الدين يوجب إفشاء أحاديث الرسول ونشرها.

للدرس والإفتــــــاء

فقد كان الازدحام على درسه شديدا ولقد بلغ عدد المستمعين إلى درسه في المجلس الواحد خمسة آلاف.

ومجلس أحمد كان مجلسا يسوده الوقار والتواضع واطمئنان النفس… وطوال أربعين عاما لم يقل أحمد فيها أحاديث من ذاكرته إلا مائه حديث وإذا سئل في موضوع فقهي يضطر إلى استنباط حكم فيها لم يسمح لتلاميذه أن يدونوا استنباطه أو ينقلوه عنه وكان أبغض الأشياء لديه أن يرى فتوى له مكتوبة.
وقد عاش أحمد بن حنبل حياة فقيرة يؤثر خصاصة العيش على أن يكون ذا مال لا يعرف انه حلال… أو فيه منه العطاء، ويعمل بيديه ليكسب عيشه وينسخ كتابا أو يؤجر نفسه في عمل يعمله حين ينقطع به الطريق في سفر ولا مال معه مؤثرا العمل على أن يقبل عطاء من احد يعجز عن رده في زمن قريب.
كان أحمد إذن يؤثر تعب الجسم على تعب النفس ويؤثر أن تكون يده العليا ولا يأخذ عطاء ويفي بسداد ما اقترضه ويعانى مكاسب العيش لكي يكون حرا وهو إمام يشار إليه بالبنان.
كان الخليفة المأمون صاحبا للمعتزلة ومن بينهم اختار وزراءه وأصحابه وكان يقول مثلما يقولون… ومن بين ما يقولونه في مسائل العقائد في علم الكلام أن القرآن الكريم مخلوق ومحدث ولقد أراد المأمون من أحمد بن حنبل أن يؤيد هذا الكلام بأن القرآن مخلوق ومحدث فأبى أحمد ذلك القول وأصر على قوله بان القرآن كلام الله فكانت محنته محنة مدوية استمرت في عهد المأمون وفى عهدي المعتصم والواثق من بعده ومحنة لقي فيها العذاب وسجن وعذب في كل يوم طوال ثماني وعشرين شهرا كان أحمد يضرب بالسياط إلى أن يغمى عليه وحين يئس معذبوه رحموه وأطلقوا سراحه وأعادوه إلى بيته لا يقوى على السير وقد انتصر بتقاه وهزم أصحاب السياط.
ومنع أحمد بن حنبل من خروجه من بيته والصلاة في المسجد طوال خمس سنوات من سنة 225 هـ إلى سنة 232 هـ والى أن مات الخليفة الواثق.
وجاء المتوكل بعد الواثق فأوقف الاضطهاد وحارب الاعتزال وعندئذ عاد أحمد عزيزا مكرما إلى التدريس والتحديث في المسجد وفى غير المسجد.
تتلمذ أحمد بن حنبل على يد الشيخ "هشيم" وهو بخارى الأصل وقد لازمه أحمد نحوا من خمس سنوات إلى سن العشرين من عمره وفى هذه السنوات تكونت النواة الأولى في علم أحمد بالحديث.
أما الشيخ الثاني بعد وفاه "هشيم" هو الإمام "الشافعي" وقد التقى به أحمد في مكة وأعجب أحمد بعقل الشافعي الفقهي وأخذ عنه "الفقه".
لم يكتب أحمد بن حنبل إلا الحديث.. ولم يكتب أحمد كتابا في الفقه يمكن أن يعد أصلا ومرجعا… ولكن له أبوابا متناثرة مكتوبة في الفقه فيها فهم للنصوص القرآنية والأحاديث وليس فيها رأى مبتدع ولا قياس… من هذه الأبواب رسالة في الصلاة ورسالتين في المناسك ورسالة كتبها إلى (إمام مسجد) صلى أحمد وراءه فأساء في صلاته… وكلها كتب حديث فى موضوعات فقهيه وفى مجال العبادات لا المعاملات.
ولأحمد رسائل أخرى يرد بها على الزنادقة والجهمية ويبين فيها مذهبه في فهم القرآن.

وكان مذهب أحمد من بعده قويا ووجد أرضا نما فيها بأمور ثلاثة: بأصوله وفتاويه وبالتخريج فيه وبرجاله من الحنابلة الذين أبقوا على باب الاجتهاد في المذهب الحنبلي مفتوحا.
وقد ترك أحمد للفقهاء جميعا حنابلة وغير حنابلة حصادا من نصوص الحديث والآثار وحصادا من فهمه لهذه النصوص يرتكز عليها ويلجأ إليها سائر الفقهاء عندما يفتون بالمصالح المرسلة وعندما يفتون بالقياس والرأى حين لا يجدون نصا من كتاب أو سنه.
وأتباع مذهب أحمد من العامة قليلون إلى يومنا لأنه كان آخر المذاهب الأربعة وجودا ولأن هؤلاء الأتباع صاروا متعصبين بسبب المحنة الكبيرة التي نزلت بأحمد ولأنهم كانوا متشددين في التمسك بما جاء عن أحمد في الفروع الفقهية. ولأنهم بسبب هذا التعصب فرضوا أنفسهم محتسبين متزمتين على الخاصة والعامة والأسواق ولأن السلطان والناس حاربوه لتعصب معتنقيه من العامة.
وقد انتشر المذهب الحنبلي أول انتشاره في العراق ثم ضعف بالعراق بسبب فتن التعصب التي أثارها أتباعه ولم يظهر المذهب الحنبلي في مصر إلا في القرن السابع الهجري وبين قله قليلة… إلى أن انتشر في العصر الحاضر بين بلاد الحجاز وفى نجد التي اتبع فيها النجديون المذهب الوهابي وهو صدى لمذهب بن تيميه وهو بدوره صدى وامتداد للمذهب الحنبلي.

حُســـــن الخاتـــمة

ومرض الإمام وتسامع الناس من أطراف بغداد وضواحيها وما حولها بمرض الإمام فاقبلوا عليه يعودونه.
وأمر أولاده أن يوضئوه فجعلوا يوضئونه وأشار إليهم أن يخللوا أصابعه وهو آخذ في ذكر الله تعالى حتى إذا أكملوا وضوءه فاضت روحه.
كانت وفاته يوم الجمعة في الثاني عشر من ربيع الأول سنه إحدى وأربعين ومائتين... وله من العمر سبع وسبعون سنة.
وحضر غسله حوالي مائه من بيت الخلافة من بني هاشم وأخذوا يقبلون ما بين عينيه ويدعون له ويترحمون عليه.

وخرج بنعشه من الخلائق ما لا يحصى عددهم حتى قدرهم بعضهم بثمانمائة ألف من الرجال وستين ألفا من النساء وقيل أكثر من ذلك.
وفى ذلك دليل على تقدير الناس له وحبهم إياه وحزنهم عليه.
المرجع : من كتاب أئمة الإسلام الأربعة...لسليمان فياض

ليست هناك تعليقات: