بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-11-24

وثيقة تاريخية للسلطان عبد الحميد الثاني


وثيقة تاريخية للسلطان عبد الحميد الثاني

بين يدينا وثيقة تاريخية هامة بخط السلطان عبد الحميد الثاني –رحمه الله، تتضمن رسالة كان قد وجهها السلطان بعد خلعه إلى شيخه الشاذلي محمود أبي الشامات، وفيها سر خلعه عن الخلافة، وهو رفضه إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

تعتبر هذه الوثيقة من أهم وثائق التاريخ المعاصر، وثيقة إسلامية بامتياز، وثيقة وطنية من الطراز الأول، وثيقة إسلامية شاهدة على صدق ومصداقية السلطان عبد الحميد الثاني، فيها كثير من الدروس، بل كلها دروس.. ما أجمل أن يُشرَح ويُناقش كل ما جاء فيها.. ولكن الأجمل أن يترك للقارئ الكريم العنان للغوص في أعماقها وقراءة ما بين سطورها ويعرف من هو كاتبها، وكيف يفكر، وكيف يقرر، عساه يغدو قدوة لكل من حكم ورسم.

وثيقة تاريخية للسلطان الحميد الثاني

وثيقة تاريخية للسلطان عبد الحميد الثاني
هذه الوثيقة نشرها المرحوم الأستاذ سعيد الأفغاني في مجلة العربي الكويتية في عددها الصادر في شوال 1392هـ الموافق كانون أول/ ديسمبر 1972م، ضمن مقالة بعنوان (سبب خلع السلطان عبد الحميد)، أما الترجمة العربية للرسالة فقد قام بها الشيخ أحمد القاسمي الدمشقي المدير العام للأوقاف في دمشق سنة 1957م، وإليك الرسالة المترجمة [1]:

"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين إلى يوم الدين.

أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية، إلى مفيض الروح والحياة، وإلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات، وأقبل يديه المباركتين راجيا دعواته الصالحة. بعد تقديم احترامي أعرض أني تلقيت كتابكم المؤرخ في 22 مايس من السنة الحالية، وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين.

سيدي: إنني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليلا ونهارا، وأعرض أنني مازلت محتاجا لدعواتكم القلبية بصورة دائمة.

بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية كأمانة في ذمة التاريخ:
إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني _ بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون تورك) وتهديدهم _ اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة. إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة - فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرًا وعدوا بتقديم (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: (إنكم لو دفعتم ملء الأرض ذهبا - فضلا عن (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبًا- فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والمحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة، فلن أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء المسلمين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضا). وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير.

هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ العالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين. وقد كان بعد ذلك ما كان، ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال، وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام، وبه أختم رسالتي هذه.

ألثم يديكم المباركتين، وأرجو وأسترحم أن تتفضلوا بقبول احترامي. سلامي على جميع الإخوان والأصدقاء.

يا أستاذي المعظم لقد أطلت عليكم التحية، ولكن دفعني لهذه الإطالة أن نحيط سماحتكم علما، ونحيط جماعتكم بذلك علما أيضا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في 22 أيلول 1329
خادم المسلمين
عبد الحميد بن عبد المجيد"


موقف السلطان عبد الحميد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين
كما ورد في كتاب مذكراتي السياسية للسلطان عبد الحميد الثاني، يقول:
"لليهود قوة في أوروبا أكثر من قوتهم في الشرق، لهذا فإن أكثر الدول الأوروبية تحبذ هجرة اليهود إلى فلسطين؛ للتخلص من العرق السامي، الذي زاد كثيرا، ولكن لدينا عدد كاف من اليهود، فإذا كنا نريد أن يبقى العنصر العربي الإسلامي (مسلمان عرب ـ (Müslümen Arab) متفوقاً في فلسطين يجب أن لا نسمح بتهجير اليهود إليها. وإذا كان الأمر عكس ذلك وسمحنا لهم بالهجرة، فإنهم بفترة قصيرة سيسيطرون على الحكم، وتصبح فلسطين تحت سيطرتهم. وبذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين الموت المحتم.

لن يستطيع رئيس الصهاينة هرتزل أن يقنعني بأفكاره. وقد يرى «أن حل المسألة اليهودية (Yahudi Meselesi) ستنتهي يوم يستطيع اليهودي قيادة محراثه بيده». وربما كان هرتزل على حق بالنسبة لشعبه، فانه يريد أرضاً لهم، ولكن نسي أن الذكاء وحده ليس كافياً لحل جميع المشكلات. إن الصهيونية لا تريد أراضيَ زراعية في فلسطين لممارسة الزراعة فحسب، ولكنها تريد أن تقيم حكومة، ويصبح لها ممثلون في الخارج. إنني أدرك أطماعهم جيداً، وإنني أعرض هذه السفالة (Saflik) لأنهم يظنونني إنني لا أعرف نواياهم أو سأقبل بمحاولاتهم. وليعلموا أن كل فرد في إمبراطوريتنا كم يكنّ لليهود من الكراهية طالما هذه نواياهم، وأن الباب العالي ينظر إليهم مثل هذه النظرة. وإنني أخبرهم أن عليهم أن يستبعدوا فكرة إنشاء دولة في فلسطين لأنني لا زلت أكبر أعدائهم" [2].

[1] السلطان عبد الحميد الثاني: مذكراتي السياسية 1891م- 1908م، مؤسسة الرسالة، ط1- 1977م، ط2- 1979م، هامش (1) ص35- 38.
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية - الوثائق
- مجلة العودة، مجلة فلسطينية شهرية - العدد الثامن والثلاثون - السنة الثالثة – تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 م– ذو القعدة 1431 هـ.
[2] السلطان عبد الحميد الثاني: مذكراتي السياسية، ص34- 35.

ليست هناك تعليقات: