بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-04-12

حوار مع الشاعر والأديب عبد المنعم محمد خير إسبير


حوار مع الشاعر والأديب

"إنّ التقيّد بالإخلاق في العمل الإبداعي عموماً، لاينتقص من جمالية النص الأدبي شعراً كان أم قصة"
أجرى الحوار حسن الاشرف:
الشاعر عبد المنعم أسبير أديب إسلامي حتى النخاع. يلتزم بالشعر الذي يرمي إلى غايات محددة، في هذا الحوار يتحدث عن دور الأخلاق في توجيه النص الأدبي ومساحتها فيه، دون الإخلال بجمالية الشعر أو القصة أو غيرهما.. ويطرح وجهة نظره أيضا حول قضية علاقة الأدب بالالتزام والأخلاق.
أيهما أجدر بالاهتمام أكثر..
*هناك من يرى أن على الأدب أن يكون أخلاقيا وهناك من يرى أنه ينبغي أن يتجرد من كل قيد. مارأيكم في هذا النقاش الدائر..
- الأدب، هو ما يُنتِجُ العقل الإنسانيّ من ضروب المعرفة، ويُطلق الأدب بوجه عام على جملة المعارف الإنسانية، كما يُطلق بوجه خاص على الكلام الذي يعبّر عن الأفكار والمشاعر والتجارب الإنسانية في قالب فنّيٍ يُعجِب ويؤثِّر..
ويعرَف الأديب بأنّه "الآخذ بمحاسنِ الأخلاق والحاذق بالأدب وفنونه. وفي ضوء ذلك يمكننا القول إنّ محاسن الأخلاق هي مُنتمَى العمل الإدبي الملتزم. فمن معاني الأدب حسْنَُ الخلُق، وحسْنُ الخلقِ هو من الأدب، وحينما نقول إنّ الأدبَ هو جملةُ المعارف الإنسانيّة وأنّه يعبّر عن الأفكار والمشاعر والتجارب الإنسانية، فإننا نقف أمام معطيات عمل إنسانيٍّ يتحلّى بحسْنِ الخُلق، و يُنشئُ، بصورة تلقائيّة، التزاماً أخلاقياً طوعيّاً في العمل الإبداعيّ من عير إلزام من أحد.
أمّا إذا رأى أديبٌ ما أنّ العمل الأدبيّ حرٌّ لاتحكمه قواعد أخلاقيّة، وينبغي أن يتحرّر منها إن وجدت فيه، فذلك رأي شخصيّ يستمدّه الأديب من مُنتماه الفكري، أو من رؤيته الخاصة التي لاتستند إلى مرجعيّة ما. والرأي الشخصي لايعني لثوابت الإبداع الأدبيّ بشئ. فجلّ الفنون الإبداعيّة تُقَدَّم بوجوه تختلف باختلاف فِكَرِ ومنهج المبدعِ نفسه ورؤيته في الحياة.
*هل المضمون الاخلاقي للشعر يمكنه أن يمتع النفس أم أنه عاجز حقيقة عن ذلك..
- الشّعْر هو( الكلام الذي يقوم في بنائه على الموسيقا والوزن، ويتّسم في صياغته بالتصوير الجميل والخيال المبدع، ويعتمد في تأثيره على إيصال أكبر قدر من اللّذة الجمالية والمتعة العقلية) مج. أنقل هذا التعريف بحرفيته من (قاموس الصحاح )عن مجمع اللغة العربية في القاهرة، ليكون مرجعاً موثّقاً لجوابي..
إنّ المتعة شعور طلْقٌ غير مقيّد، والإستمتاع حالة نفسيّة توقظ الإحساس بالّلذة،في نفسٍ تآلفت وتماهت في عملٍ إبداعيّ ما سواء كان مرئياً أو مخطوطاً أو مسموعاً.
والعمل الإبداعيّ الذي يمتِعُ شخصاً ما لايُمتع بالضرورة شخصاً آخر، والعكس صحيح. فذلك يعود إلى توافق نمط حسّيةِ ذلك المستمتع مع العمل الإبداعي من عدمه.
والمضمون الأخلاقيّ لأي عمل إبداعيّ،لايحتمل بالضّرورة حتميّة إمتاع كلّ النّاس، ولكنه يمتع بعض الناس مثلما يمتع العمل المجرّد من المضمون الأخلاقي البعض الآخر، تلك هي مسألة ترتكز على خصوصيّة المستمتع من جهة، وعلى نمطيّة العمل الإبداعي نفسه من جهةٍ أخرى. والنفس تألف وتتآلف مع من يثير غرائزها، ويحشو مخيلتها بمفردات الجنس من أجل إمتاعها، وكثيرٌ من الناس من يسعى إلى هذا الإتجاه مع الأسف. ولغتنا العربيّة غنيّة بالمفردات والمعاني التي يسهل على الشاعر استحضارها لتمدّ أعماله شكلاً خلاّباً ومضموناً أخّاذا يأخذ بمجامع القلوب، ويستجلب المتعة الإيجابيّة للمتلقّي، حتّى وإن كان من عشّاقِ الأعمال الهابطة. المثيرة للغرائز.
وهناك شواهد كثيرة في ساحات الشعر القديم والحديث على ذلك، وأذكر لك على سبيل المثال بيتينِ في الغزل لعنترة العبسي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمَعَت كبارق ثغرك المبتسمِ
هل يوجد أعفّ غزلاً وأسمَى متعة من هذين البيتين اللذين تحلّيا بمحاسن الأخلاق في شعر الحبّ والغزل؟ فهل عجزا عن الإمتاع الذي لا يأتي بمثله شعر جنسيٌّ هابط ؟
* إلى أي حد يؤثر التقييد والالتزام بالأخلاق على جمالية النص الادبي شعرا او قصة..
- إنّ التقيّد بالإخلاق في العمل الإبداعي عموماً، لاينتقص من جمالية النص الأدبي شعراً كان أم قصة، فمحاسن الأخلاق نفسها هي سلوك جماليّ إنسانيّ، وحينما يتحلّى النص الأدبي بِسِمة أخلاقيّة، فإن النصّ يتفوّق جمالاً على جمال.
فمركزية الجمال تكمن في حسن الخلق وهي كنبع ماء، يعطي للآخرين ما عنده، ولا يأخذ منهم شيئاً، لأنه فتحة عطاء متدفّق لايدخل إليها شئ من غيرها.
والأخلاقيّة هي سمةٌ من سمات الله منحها للإنسان لخيره وخير عمله، فإذا ما صاغ الإنسان عمله بمسحة جمال إنسانيّة وأضاف عليه مسحة الله، فإن الإخلاقيّة تؤثر في جمالية النص ايجاباً فتزيده جمالاً لايدركه إلاً من آمن واتّقَى. وهنا لابدّ من القول، إنّ من غرائب الأمور أن يقلق المبدع على (إبداعاته) جرّاء الإلتزام الإخلاقي في أعماله، ولايقلق على نفسه وعلى قرّائه جرّاء تجريد أعماله من سمات حسن الإخلاق.. وإذا كاد المعلّم (المربّي) أن يكون رسولاً كما قال شاعر، فماذا يكون حال (المبدع) الّذي يربّي جيلاً على أفوال فيها إثارة جنس، وفحش كلام ؟
تحت مسمّى الجماليّة والإبداع! ويحضرني ثلاثة أبيات لي أجتزئهم من قصيدة لي سمّيتها : جاهلية الإبداع، فقلت:
لبس الثّقافة بعضُهُم متقنّعـــاً (أدباً) حَوَى جرثومة الإفســادِ
ضدّان يجتمعان في (أدبِ الغُواة ) وجيلنا أمسَى بسوء فساد
ويَنَلْنَ هُنَّ وهُمْ مجالسَ ندوةٍ يُغتالُ فيها طُهْرُ حرْفِ الضّادّ
*هناك أنواع من الشعر مثل المديح والهجاء والغزل لاتتماشى والالتزام الاخلاقي.
كيف يمكن تطويعها لتحترم الاخلاق الفاضلة؟
- الشعراء قادرون على تطويع أعمالهم في المديح والهجاء والغزل لتتحلّى بمبادئ الأخلاق، وقد سبق أن ذكرت أنّ اللغة العربية ثرّةٌ بالمعاني والمفردات التي تلائم كل نوع من أنواع الأدب عموماً، ولذلك فمسئولية التقصير تُلقى عليهم.
وقراءة بسيطة في دواوين الشعراء، تجد أن كثيراً من الأعمال الإبداعيّة أزهَرَ في روابي جمالية الأخلاق.
*هل يمكن الحديث عن أدب اسلامي وأدب غير إسلامي..
- الأدب عموماً، يقوم على قاعدتين اثنتين عموميّة شكليّة) و(خصوصيّة موضوعيّة)، فالقاعدة الأولى هي أساسيات عامّة، تحكم العمل الأدبي ليكسبه مسمّى الأدب، فبدون توافر تللك الأساسيّات فيه، لايكون العمل أدباً ولا يسمّى باسم الأدب، أمّا القاعدة الثانية، فهي المنهج والخصوصية الّلذين يخضع لهما العمل الأدبي وفق انتماءات الأديب الفكرية والعقديّة وغير ذلك، ليستقل بخصوصيةٍ تفرقه عن الأداب الأخرى. ومن هذا الواقع خرجت رابطة الأدب الإسلامي العالمية بأدب يتّسم بسمات الإسلام، عرّفتْهُ بأنه( التعبير الفنيّ الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفق التّصوّر الإسلامي ). وكان البعض، من قبلُ ومن بعد،قد نحى بأدبه إلى مناح منهجيّة أخرى بحسب انتماءاته وسمّى أدبه باسم تلك الإنتماءات، كالأدب المسيحي والأدب الصهيوني والأدب العبثي وأدب اللا معقول، وغير ذلك كثير.
فنشأ عن ذلك أدبٌ إسلاميّ وأدبٌ غير إسلامي، مع أنّ أدباً ما يكون إسلاميّا وإنْ لم يقترن بمسمّى الإسلام، إذا توافقت خصوصية موضوعيته مع خصوصيةِ الإسلام، و من الجدير ذكره أنّ الأدب الإسلاميّ لايناقض الأدب العربيّ ولا يفترق عنه، فكلمة (العربي) التي اقترنت به كانت نسبة إلى اللغة، لا للتمايز.
* إلى أي حد يغترف الادب الاسلامي من الاداب والمعارف الاخرى
- يغترف الأدب الإسلامي من مورِدهِ الإسلامي الغزير بالفِكَرِ، كما يغترف من المعارف الأُخرى المتوافقة، فقد قيل(الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدَها التقَطها، والأدب الإسلامي ليس متعصِّبا لنفسه، ولا منغلِقاً على ذاتهِ، ولاينكِرُ أو يستنكر فِكَراً إنسانيةً في أدب ما، وإنْ لم يحمل سمة الإسلام.
فهو منفتحٌ على الأداب الأخرى، يأخذ منها مايتوافق مع منهجه ونظرته الإسلامية إلى الكون والحياة، ويعطي لها، من دون أن يفترق عنها،إلاّ إذا كان الأدب الآخر يقف على طرف نقيض وقائماً على خلفيّة ثقافيّة مستنكَرَة، أو على فوضويّةِ فِكْرٍ وتفكير، أو على ثقافة غربيّة علمانيّة، أو على مزاجيّة منفلتةٍ من كل قيد.
* مارأيكم في موقع الادب الاسلامي الحالي ضمن المشهد الادبي العام
- إنّه يمشي حثيثاً ليؤكّد وجوده في غمار( آداب ) أخرى تثير الغرائز وتسيطر على نسبة كبيرة من الشّبيبة التي أُخِذتْ بمشاهد الجنس في مختلف الوسائل. إنها معركة قائمة، والبقاء للأصلح.
* يقال ان القصيدة الملتزمة تموت بسرعة لانها لاتتوفر على عناصر الاثارة والاغراء اللازمين للقراءة. ما ردكم..
- مع الأسف فهذا هو واقع الحال. فالّروحانيات لم يعد لها قبول في هذا العصر (عصرَ الإنحطاط) فقد أصبح تحت وطأة المادّيات الطاغية عليه،إنّ محاسن الأخلاق هي رَوْحُ روح، والرّوح لاتفنى وهي في رَوْحِ محاسن الأخلاق حتّى وإن رَحَلَتْ ظاهراً من الحياة، أمّا مساوئ الأخلاق، فهي ميتةٌ مميتةٌ وإنْ بقيت على شكل الحياة.
*هل هناك شعراء وادباء اسلاميون تأثرت بهم في مسيرتك الابداعية
- نعم. تأثّرتُ بالمنفلوطي نثراً، و بسيّدي الوالد، وبالشاعر عمر أبوريشة، وبأبي القاسم الشّابي، شعراً، وبآخرين رحمهم الله جميعاً وطيّب ثراهُم.
* ما بصمة الوالد رحمه الله في شعرك
- سيّدي الوالد رحمه الله 1311ـ 1391 هحري و1893 ـ 1971م، هو شاعر إسلاميّ ومربٍّ له شهرته في مدينة حلب السّورية، ففي العام1344 هـ أسس مدرسة( دارالفلاح الإسلامية )وقام بإدارتها ودرّس فيها مع أساتذة آخرين المواد العربية والإسلاميّة كما درّس بنفسه مادة الحساب التجاري وأصول إمسك الدفاتر التجارية التي اشتهر بها في زمانه، ثم أغلقت المدرسة في العام 1388 هـ. وقد ألّف عدة دوواوين صغيرة كان آخرها ديوان ( الحقائق الجليّة في قلائد الهمزية) الذي ختم يه أعماله الأدبية الإسلامية، قبيل رحيله عن حياة زاخرة بالعلم والتعليم وقرض الشعر الإسلامي. ولكي أكون صادقاً معكم ومع نفسي، فإنني كنت مبتعداً عن أعماله إبّان انشغالي بأعمالي وأسرتي وأسفاري في شبابي وكهولتي، وعندما تقاعدت عن العمل وتفرّغت إلى هوايتي الأدبية التي كان لي فيها بشبابي محاولات متقطّعة ومتباعدة، قررت أن أقوم بتحديث أعمال والدي، وتنظيمها وتنسيقها بطريقة تليق به، ومن خلال هذا العمل درستُ أعماله دراسة واعية متعمّفة، فعشت فيها وفي تفاصيلها معنىً ومبنىً، فكان تأثري بنهجه وأسلوبه واضحاً في أعمالي. فللّه الحمد والشكر، ولوالدي الرحمة والغفران.
حوار الشاعر والأديب المنعم محمدحوار الشاعر والأديب المنعم محمدحوار الشاعر والأديب المنعم محمد

ليست هناك تعليقات: