بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-04-12

بحث.. القدس بين حقائق التاريخ وزيف الإسرائيليات. - 2 -


نتابع.. القدس بين حقائق التاريخ وزيف الإسرائيليات. - 2 -

يشهد الدارس لموقع القدس وتطوّرها عبر العصور، تشابهاً منقطع النظير مع مكة المكرمة، فالمدينتان قامتا في موقعين جبلين، وارتبط تطوّرهما بالقداسة والتجارة، وهما معاً عانتا من مشاكل قلة المياه، وأكثر من هذا مثلما اسم مكة أو بكة يعني نبع الماء يرجّح علمياً أنّ تسمية القدس من حيث الأصل ارتبطت بالماء.
وتقع القدس على خط طول 35 درجة و13 دقيقة شرقاً، وخط عرض 31 درجة و52 دقيقة شمالاً، وترتفع نحو 750 عن سطح البحر المتوسط/ ونحو 1150م عن سطح البحر الميت، والقدس ذات موقع جغرافي مهم، لأنّ نشأتها جاءت على هضبة القدس والخليل، وفوق القمم الجبلية التي تمثّل خط تقسيم المياه بين وادي الأردن شرقاً والبحر المتوسط غرباً، وجعل هذا من اليسير عليها أنْ تتصل بجميع الجهات، وهي حلقة في سلسلة تمتد من الشمال إلى الجنوب، فوق القمم الجبلية للمرتفعات الفلسطينية، وترتبط بطرق رئيسية تخترق المرتفعات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وهناك طرق عرضية تقطع هذه الطرق الرئيسية، لتربط وادي الأردن بالساحل الفلسطيني، ومن بينها طريق القدس أريحا، وطريق القدس يافا، وتبعد القدس مسافة 22 كم عن البحر الميت، و52 كم عن البحر المتوسط، وأطوال الطرق المعبدة التي ترتبط بين القدس وكل من العواصم العربية المجاورة هي التالية: القدس–عمان 88 كم، القدس-دمشق 290 كم ، القدس-بيروت 388 كم، القدس-القاهرة 528 كم.
وترجع الأهمية الجغرافية لموقع القدس، إلى أنّه يجمع بين مزيّة الانغلاق، وما يعطيه من حماية للمدينة، وميزة الانفتاح، وما يعطيه من إمكانية الاتصال بالمناطق والأقطار المجاورة، كما وترجع هذه الأهمية إلى مركزية موقع القدس بالنسبة إلى فلسطين والعالم الخارجي، وعلى هذا اختير موقع القدس بما يجمع من صفات الانغلاق والانفتاح. وفي المجال العسكري، اكتسب موقع القدس الجغرافي أهمية خاصة نظراً للحماية الطبيعية التي تزيد في الدفاع عنه، وعندما كانت الحملات العسكرية تنجح في احتلال القدس، كان ذلك النجاح إيذاناً باحتلال سائر فلسطين والمناطق المجاورة لها.... وكانت نشأة النواة الأولى لمدينة القدس على تلال الضهور (الطور-تل أوفل) المطلة على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من المسجد الأقصى، وقد اختير هذا الموضع الدفاعي لتوفير أسباب الحماية والأمن لهذه المدينة الناشئة، وساعدت مياه عين أم الدرج في الجانب الشرقي من الضهور على توفير المياه للسكان، وأحاط بهذا الموقع وادي قدرون (جهنم) من الناحية الشرقية، وأحاط به من الجهة الجنونية وادي هنوم (الربابة) ووادي الزبل من الجهة الغربية, وقد كوّنت هذه الأودية الثلاثة خطوطاً دفاعية طبيعية جعلت اقتحام القدس القديمة أمراً صعباً، إلا من الجهتين الشمالية والشمالية الغربية وبناءً عليه استولت عليها جميع الجيوش عبر التاريخ ودخلتها من جهة الشمال.
وهجرت النواة الأولى للمدينة بمرور الزمن وحلّت محلها نواة رئيسة تقوم على تلال أخرى غير تلال الضهور (الطور) مثل مرتفع ساحة الحرم (موريا) في الشرق، ومرتفع صهيون في الجنوب الغربي، ومع الأيام دخلت هذه المرتفعات داخل أسوار المدينة، وكان ذلك على يديْ الإمبراطور الروماني إيليوس هدريانوس (117-138م) (16).
أمّا بالنسبة لاسم المدينة، فقد اعتمد الباحثون في هذا المقام على مواد العهد القديم، فقالوا إنّ اسمها الأول كان "يبوس"، ثم صار اسمها "أورشليم" بصيغ متنوعة، ثم مدينة داود، وبعد ذلك إيليا، وبعد الفتح الإسلامي بزمن عرفت باسم القدس، أو بيت المقدس، ويضاف إلى هذا أنّ أسفار العهد القديم أطلقت عليها أسماء أخرى مثل: سالم، وهيروسوليما، وبيدر أرنان، وأريئيل، ومدينة قوية، وابنة صهيون، والمدينة الدموية، والمدينة المطلوبة غير المهجورة، ومدينة الرب، والسيدة في البلدان، والعظيمة بين الأمم، ووادي الرؤيا، وسدوم، والبرج، وهاليا، والجريزا. وأشار المسيحيون إليها أحياناً باسم "الضريح القدس"، واللاتين باسم ييروسوليما (17). ومع أنّ اسم يبوس اسم عربي شامي، ما زال معروفاً في أحواز دمشق (جديدة يابوس) من غير الممكن توثيق جميع هذه الأسماء التي وردت في أسفار العهد القديم، والذي يمكن اعتماده فقط أولاً اسم "القدس" ثم "إيليا" رسمياً فقط لبعض الوقت، والقاعدة التي اعتمدت في بلاد الشام حتى قدوم الإسكندر المقدوني، في إطلاق الأسماء على الأماكن، قد ارتبطت بطبيعة المكان جغرافياً أو طبيعياً، أو بوجود مكان مقدس (بيت) أو بمعركة من المعارك، ولم يستخدمْ الشاميون السابقة "أور" في أيّ مكانٍ من بلادهم، واقتصر استخدام هذه السابقة على بلاد الرافدين، ومن هذا المنطلق من المرجّح أنّ اسم "أورشليم" قد أطلق على المدينة المقدسة في أيام الحكم الأخميني في المائة الرابعة قبل الميلاد، وذلك مع ظهور مقاطعة "يهود"، واسم "يهود"، واسم أورشليم اسم رافدي بابلي، ظلّ رائجاً حتى مطلع العصر العباسي، حيث إنّه عندما بنى أبو جعفر المنصور مدينته المدورة (بغداد) أطلق عليها اسم "دار السلام" أي أورشليم.
والاسم "القدس" هو الذي يمكن توثيقه لغوياً، وجغرافياً، وتاريخياً، وهذا الاسم مرتبط بالماء من حيث الجر، ومن حيث التخزين، وكما سلفت وأشرت إلى التشابه ما بين مكة المكرمة والقدس فهذا واضح لنا من حيث التشابه بالموقع الجبلي، وكذلك أصل الاسم ومعناه، فقد أشار القرآن الكريم إلى مكة باسم "بكة" في قوله تعالى (إنّ أول بين وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين) سورة آل عمران–الآية 96، والإشارة إلى بكة هي إشارة إلى بئر زمزم، ففي لبنان هناك بعلبك، وفي سورية ومصر اسم الفم "بق" ويقال للذي يطلب منه الكلام "بق الكلمة"، وبقين، نبع مشهور في ريف دمشق، يشرب الناس مياهه المعبأة في قوارير، وما برح العرب في كلّ مكان يصف كل واحد منهم الماء في حالة الفوران والغليان "الماء يبقبق". ومثل هذا كلمة "قدس" التي تضبط بـ"قادس– قادش وقدس" وفي سورية قدس أو قادس قرب حمص، واسم النبع الآن "عين التنور"، ونبع النهر الذي تشرب منه طرابلس الشام هو "قاديشا" وفي فلسطين "قادش برنيع" قرب بئر السبع، وإلى الشمال من صفد قرية اسمها "قدس"، وهناك "قادش" على الساحل الجنوبي الغربي لبحيرة طبرية، بالقرب من سمخ، (18) وفي جنوب لبنان قرية اسمها "قدس"، وإلى جانب دمشق بلدة "قدسيا" التي سميت كذلك لجر الماء إليها من نبع العراد، وفي الأندلس مدينة عريقة كان اسمها "قادس" في كورة اشبيلية، ذكر ياقوت في معجم البلدان أنّ الماء كان يجلب إليها من نبع عذب في البحر، حيث بُنِيَ فوقه بناء محكم ووثّق بالرصاص والحجارة الصلبة، وسيق الماء من هناك إلى المدينة، وفي العراق القادسية التي وقعت قربها المعركة المشهورة، وكذلك قديس، وكان أيضاً قرب دجيل بين حربي وسامراء قرية كبيرة اسمها قادسية (19)، وفي جنوب اليمن قدس، وعاصمة الصومال اسمها "مقديشو"، ويقال حتى الآن في سورية لدلاء الماء "قادوس" وفي المغرب الأقصى، القادوس مجرى الماء، وهناك قرب فاس "عين قادوس".
ونقرأ في لسان العرب لابن منظور "القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب، وقد تفتح القاف، وقدس هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة، وقدس بفتح القاف والدال– موضع بالشام من فتوح شرحبيل بن حسنة، والتقديس: التطهير والتبريك، وتقدس تطهر، ونقدس لك: نطهر أنفسنا لك، وكذلك نفعل بمن أطاعك نقدسه، أي نطهر، ومن هذا قيل للسطل القدس، لأنّه يتقدس منه، أي يتطهر، والقدس: السطل بلغة أهل الحجاز لأنه يتطهر فيه، والقدس "البركة" وعلى هذا القدس "بركة الماء"، الماء الذي يستخدم للطهارة، ولقد كان من أهمّ ما اتّسمت به مدينة القدس القديمة في العصور القديمة والوسيطة البرك التي كانت تجمع فيها مياه الأمطار، حتى ساد اعتقاد لدى المسيحيّين أنّ مياه بركة(20) الضأن، وكانت من أكبر برك المدينة، كان ملاك يحرّك مياهها، وعند تحرّكها أول من يغطس بها يشفى من كل داء.
وذكر هيرودوت (483-425 ق.م) في تاريخه القدس تحت اسم كاديتيس وأوضح أنّها كانت بلدة سورية كبيرة على مقربة من مجدولوس الذي هو مرج ابن عامر، أو بالأحرى تل المتسلم. ويوحي كلام هيرودوت أنها كانت تعرف بهذا الاسم من القديم(21) وإنها مدينة فلسطينية ذلك أنّ الجزء الجنوبي من السورية الممتد جنوباً إلى مصر كله يعرف باسم فلسطين(4), وكان هيرودوت حين تحدّث على التقسيمات الإدارية للإمبراطورية الإخمينية مع تبيان كميات الضرائب التي كانت تدفعها كل مقاطعة بهذه الإمبراطورية بيّن أنّ المنطقة العربية التي ضمّت سيناء مع سورية الداخلية كانت معفاة من الجزية وأنّ المنطقة الساحلية التي امتدت من السويدية حتى مصر شكلت مقاطعة إدارية ضمّت كلّ فينيقية وذلك الجزء من سورية الذي يعرف باسم فلسطين وقبرص(5), وفي هذا ما يؤكد أنّه في المائة الخامسة قبل الميلاد لم تكنْ مقاطعة اليهود قد ظهرت إلى الوجود.
ونقف مجدّداً مع العرض التوارتي للأحداث وقد ذهب هذا العرض إلى أنّ القدس قد تأسّست حوالي عام 3500 قبل الميلاد وأنّ سكانها المؤسسين لها كانوا العرب اليبوسيين وأنّ ملكي صادق كان أول ملوك هذه المدينة وهو سام بن نوح، وقد زاره إبراهيم الخليل عليه السلام، فباركه أيْ استخلفه واستخلف إبراهيم فيما بعد ابنه إسحاق وجاء من بعد إسحاق ابنه يعقوب الذي دخل مع أولاده إلى مصر الإقليم إثر مجاعة، ولأنّ ابنه يوسف كان عزيز مصر وبعد ردحٍ من الزمن تكاثر عدد أبناء يعقوب الذي صار اسمه الآن إسرائيل، ونتيجة لظلم المصريين هاجر بنو إسرائيل من مصر بقيادة النبي موسى عليه السلام وأنهم قطعوا البحر إلى شبه جزيرة سيناء حيث تاهوا فيها لمدة أربعين سنة ثم دخلوا فلسطين بعد وفاة موسى عليه السلام بقيادة يوشع بن نون وهدموا أريحا وقتلوا أهل فلسطين, حتى تمكّن داود في حوالي سنة 1000 قبل الميلاد من الاستيلاء على القدس, وصارت مدينة داود وبعد داود حكم ابنه سليمان الذي بنى في القدس الهيكل الأول, وبعد سليمان انقسمت المملكة إلى قسمين مملكة إسرائيل في الشمال وهي الأكبر ومملكة يهوذا في الجنوب وأنّ حرباً قاسية نشبت بين مملكتين وأنّ هذا أدّى إلى انفصال جماعة السامرة وفي الوقت نفسه تعرّضت فلسطين لحملات مصرية وأخرى أكادية ثم آشورية وبعد ذلك كلدانية وكان آخرها حملة نبوخذ نصر, الذي استولى على القدس وسبى سكانها وشتتهم حتى جاء العصر الأخميني.
وهذا العرض، وإنْ كان يبعث في أيامنا السرور في بدايته بالنفس، هو ملفّق ولا صحة له، يتعارض تماماً مع معطيات الآثار، كما أنّه لا يتوافق مع ما ورد في القرآن الكريم، وهو قد بعث السرور في البداية على أساس أنّ العرب اليبوسيين هم الذين أسّسوا المدينة، وهنا نرى أنّ يبوس سمة للمكان، وأنّ هذه السمة من المفترض قد منحت اسمها لسكانها، وأمّا الحديث عن ملكي صادق وإبراهيم الخليل فأسطوريّ كامل، اخترعه كتاب العهد القديم للقول إنّ ملكي صادق قد عهد إلى إبراهيم، وأنّ إبراهيم قد أورث شرعيته إلى ابنه إسحاق وهكذا إلى يعقوب فالأسباط، وهذا أمرٌ لا يمكن إثباته عن طريق الآثار، يضاف إلى هذا أنّ القرآن الكريم لم يذكر ملكي صادق، ولم يذكُر أنّ إبراهيم الخليل قد قام بأية حروب، ثم إنّ الاتصالات بين العراق والحجاز إذا قبلنا برواية أنّ إبراهيم كان أصلاً من العراق لم تكنْ قط تتم عبر فلسطين، بل مباشرة، وأنّ إسماعيل كان هو الابن الأول لإبراهيم، وبإبراهيم وإسماعيل الذبيح، ارتبط حدث إعادة بناء الكعبة في مكة المكرمة، ومع إعادة البناء هذه الإيذان بالحج، وأمّا قضية اسم أم إسماعيل بأنّه كان هاجر، فأمرٌ سهل التفسير، لأنّ أهل اليمن يطلقون على القرية أو البلدة اسم "هجر" وروى ياقوت أنّ "الهجر بلغة حِمْيَر والعرب العاربة: القرية، فمنها هجر البحرين، وهجر نجران، وهجر جازان.... (22)، فهاجر على هذا امرأة هجرية، والارتباط بمصر، هو ارتباط بمجرى ماء أو تخم، وفي جنوب شبه جزيرة العرب المياه وفيرة، وبها ارتبطت أماكن الاستقرار والتواصل المعاشي وسواه، وصورة إبراهيم الخليل عليه السلام في القرآن الكريم صورة الإنسان المتنقّل غير المستقر، أيْ أنّه كان أقرب إلى البداوة ولذلك منطقيّ تسمية زوجته غير البدوية باسم هاجر، لأنها جاءت من "هجر" قامت على مجرى من مجاري المياه، وهذه أيضاً صورة بقيت مستمرة حتى أيام يعقوب، والخلاف بين أولاده، وقضية يوسف، ثم بعد ذلك في سيرة موسى عليه السلام بعد فراره، وقيامه بأعمال الرعي، وما دُمنا مع موسى عليه السلام، إنّ بلد السحر قديماً هو بابل، وهذا واضح في قوله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)(23)، كما أنّ بلاد بابل هي بلاد الأبراج والزقورات، واستخدام الطوب المجفّف بالشمس أو المشوي بالنار، في حين نجد أنّ آثار أرض الكنانة شاهدة على أنها بلاد الحجارة والبناء بها، يقول الله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علِمت لكم من إلهٍ غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلّي أطّلع إلى إله موسى)(24)، وقوله جل وعلا: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب)(25), وقوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى) سورة غافر.
والفرعون بالعربية هو الطاغية، وكان أبو جهل طاغية هذه الأمة، وشهرت بلاد بابل بطغاتها عبر التاريخ، ونعود إلى يعقوب وأبنائه لنتذكّر أنّه كان من عادة البداة الاسترفاد في مواسم القحط من البلدان المجاورة، وشهرت هذه العادة عند بداة شبه الجزيرة العربية، حيث كانوا يسترفدون من العراق في أيام القحط قبل الإسلام، ولدينا في الأدب العربي حكاية قوس حاجب، وهي من الشواهد المتأخّرة، كما أنّ شط العرب شكّل مجمّعاً للبحرين، وعلى مقربة منه ما تزال هناك بقايا أقدم أتباع ديانة قديمة جداً، وأعني بهم الصابئة الذين يمتلكون تراثاً دينياً غنياً، يضاف إلى هذا أنّ الخليج العربي هو البحر الأحمر قديماً، وتتحدّث كتب الأخبار العربية عن أنساب وكتب الأنساب عن عرب بائدة، وقد يكون بنو إسرائيل من العرب البائدة، لأنّه جاء في القرآن الكريم قوله تعالى (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذْ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون) (البقرة: 132-134).
هذا ومقرّر علمياً أنّه لا علاقة بين بني إسرائيل أيْ أولاد يعقوب والذين سيُعرَفون باسم يهود فيما بعد، يقول الله جلّتْ قدرته (أم تقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (البقرة: 140-141).
وحين ننتقل إلى مسألة كلٍّ من داود وسليمان، نجد أنّ صورة داود في القرآن الكريم تختلف عنها في العهد القديم، فهو في العهد القديم: فتى أفّاق، مارس أعمال رعاية الأغنام، ثم شكّل عصابة من حوله، وتشرّد وتخفّى في عدة أماكن، حتى قتل سيّده، واستلم السلطة من بعده، وفي أيام سلطته كان بيته بؤرة دعارة، وكانت لذلك علاقته ببعض أولاده سيئة، ثم هو لم يكنْ نبياً، أمّا في القرآن فنجد صورته وحرفته مختلفة، وأنّه كان نبياً، وهكذا نقرأ قوله تعالى (وآتينا داود زبوراً) (النساء: 163)، (ونوحاً هدينا من قبْل ومن ذريته داود سليمان) (الأنعام:84)، (لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود)- ( المائدة : 78 )، (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) ( ص: 26)، وأخيراً (وألنّا له الحديد. أنْ اعمل سابغات وقدّر في السرد) (سبأ: 101).
وعلى هذا كان النبي داود خليفة لله في الأرض، وكان يمارس أعمال القضاء، وقد آتاه الله زبوراً، وألان الله له الحديد، حيث عمل سابغات، وكان بالوقت نفسه عالماً، ولا بدّ لخليفة الله في الأرض من أنْ يكون حاكماً عظيم الشأن على دولة واسعة الآفاق وهذا لا يتوافق مع تاريخ فلسطين، ثم إنّ القدس لم تكنْ قط عاصمة دولة كبيرة جداً وقوية إلى أقصى الحدود، ونبقى مع المسألة الفيصل وهي العمل بالحديد وصنع السوابغ، حيث من المقرّر تاريخياً أنّ أول من استخدم الحديد في الأعمال العسكرية هم شعوب البحر، الذين اجتاحوا الشواطئ الشامية والمصرية، محدِثين الدمار والحرائق، ومانحين لفلسطين –كما يعتقد الكثيرون– اسمها، فهم قد جاءوا من كريت، ومن بعض البلدان الأوربية التي امتلكت الحديد، وبذلك حقّقوا التفوّق على الذين كانت أسلحتهم من البرونز، وكان ظهورهم في حوالي /1200ق.م/ فهل كان داود من شعوب البحر؟ طبعاً لا، لأنّ اسمه عربي، والله تعالى قد استخلفه وأنزل عليه الزبور، وبما أنّ الحديد لم يكنْ متوفراً في المشرق العربي، وأنّه دوماً جرى استيراده من أوربا أو من آسيا الصغرى، أو من الهند، علينا البحث عن دولة كبرى استخدمت الحديد على نطاق واسع، فحقّقت بذلك نجاحات عسكرية باهرة، وهذا ينطبق فقط على الدولة الآشورية من بعد القرن الثامن قبل الميلاد، وطالما كان داود خليفة الله، وسيد دولة كبرى من نسل نوح، لا بدّ أنّه كان ملكاً آشورياً، ويدعم هذا اسم ابنه "سليمان" الذي هو اسم آشوري، والدولة العظمى التي حكمها سليمان لا تتطابق ملامحها إلا مع الدولة الآشورية، وصحيح أنّ الدراسات حول الدولة الآشورية كثيرة، نحن ما زلنا نجهل الكثير من أخبارها، لأنّ الذي كُشِف من آثار الماضي أقلّ مما يزال تحت الأرض، يضاف إلى هذا أنّه لدى نقل الكثير من آثار أشور في القرن التاسع عشر إلى أوروبا، أخذت طبعات العديد من النصوص المهمة جداً، وقد أُتْلِفَت أوراق هذه الطبعات في المتحف البريطاني لأنّ نصوصها تعارضت مع مواد العهد القديم (26)، وعلى هذا استعار كتاب العهد القديم من تاريخ آشور: داود وسليمان والتمزقات التي عرفتها الدولة الآشورية، ومسخوا الجغرافيا ودنسوا الصدق والحقيقة.
وقبل أنْ ندع النبي داود عليه السلام، أبْقى مع صناعة السوابغ من الحديد، فالسابغة ثوب أو درع من زرد الحديد، يجرّه المقاتل على كعبيه طولاً، وتصنع السابغة بالعادة من حلق أو خواتم من الحديد تشبك مع بعضها(27) وكانت صناعة السوابغ حتى في أوروبا في العصور الوسطى تحتاج إلى مهارة عالية في فنون صناعة الحديد، وإلى نفقات كبيرة جداً وإلى فِرَق من العمّال البارعين، وذلك أنّ سابغة واحدة كانت تحتاج إلى عددٍ هائلٍ من الحلق أو الخواتم، تصنع مفردة ثم يجرى شبكها مع بعضها، ولحمها مع بعضها بشكلٍ متقن بوساطة النار الحامية والتطريق، واحتاج مثل هذا العمل إلى إمكانيات دولة كبرى مالياً وغير ذلك، وهذا ما لم يتوفّرْ في فلسطين. وأختم حديثي هذا بالمسألة التي تواجهنا فيما يتعلّق بالنبي سليمان، وملكة سبأ، المشهورة باسم بلقيس، فالدارس لتاريخ الدولة الآشورية، ولنصوص الآشوريين الكثيرة، يلاحظ كثرة الإشارات فيها إلى القوى البدوية العربية، وإلى دويلات عربية كانت محكومة من قبل نساء(28), وورد ذكر سبأ في القرآن الكريم مرتين، في المرة الأولى في سورة النمل (الآيات 19–44) حيث جلب طائر الهدهد خبراً إلى النبي سليمان عن (سبأ بنبأ يقين, إنّي وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كلّ شيء ولها عرش عظيم, وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون)، وأرسل سليمان رسالةً إلى سبأ قال لهم فيها (ألاّ تعلوا على وأتوني مسلمين)، وحاول أهل سبأ شراء رضاه بالمال فقال لرسوله (ارجعْ إليهم فلنأتينّهم بجنودٍ لا قِبَل لهم ولنخرجَنّهم أذلة وهم صاغرون) وفي النهاية قدِمت ملكة سبأ إلى عند سليمان، ولدى دخولها عليه حسبت أرض قاعة عرشه (لجّة وكشفت عن ساقيها قال إنّه صرحٌ ممرّد من قوارير) ونتيجة لذلك تخلّت عن كفرها وقالت (ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين), ومهمّ قولها أسلمت مع سليمان, ولم يشِرْ القرآن إلى حملها هدايا إلى سليمان أو سوى ذلك، في حين تحدّثت أخبار العهد القديم عن هدايا متنوعة وثمينة حملتها إلى الملك سليمان, وإلى قيامه بإغوائها وإغواء وصيفتها، وإنجابها منه وكذلك وصيفتها إلى غير ما ذلك.
والمتمعّن بلهجة خطاب سليمان للسبأيّين ومن ثم مقارنتها بالنصوص الآشورية التي نشرت حتى الآن يجد تماثلاً، ولا بدّ هنا من الوقوف عند قدرة طائر الهدهد على قطع المسافات، وإلى استخدام الزجاج الممرّد، فلعلّ سبأ كانت على مقربة من آشور فالقبائل العربية كانت منتشرة في مناطق الجزيرة وسواها ومن جديد دعونا نختتم بمواجهة ذكر سبأ اليمن وفي سورة قرآنية حملت اسم سبأ الآية (21-140) ورد قوله تعالى (لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنتين ذواتيْ أكْلٍ خمطٍ وأثْلٍ وشيءٍ من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا الكفور). وواضح هنا أنّ المقصود سبأ اليمن وسدّ مأرب حيث تعرّض لفيضان وتهديم، وكان ذلك قبل الاحتلال الحبشي لليمن، والفارق الزمني بين سبأ سليمان وسبأ اليمن قد يصل إلى ألف وثلاثمائة سنة، هذا ومسألة تشابه الأسماء في الوطن العربي مسألة معروفة عبر التاريخ.

الهوامش:
1 - بهذه المملكة تتعلّق الإشارة إلى آحاب ومشاركته في معركة "قرقر" على العاصي ضمن التحالف الآرامي ضد الآشوريين.
The ancient near east, edited by James. B. Pritchard, Princeton 1958…….. 1 – انظر و- rewriting the Bible byany dockser marcus, London 2000, the emergence of yehud in the Persian Period, by tharbs E. carter, Sheffield 1999, the archaeology of ancient Israel, edited by Amnon ben-tar, Palestine 1992, the Hyksos, edited by Eliezer D. oren, philadelifia 1997, concise Atlas of the Bible, San Francisco 1991, the Gold of Exodus, by Hoknord Blum, London 1998, David’s Jerusalem, Fiction or reality, Biblical archaeology review, by Margreet Steiner, July – August 1998.
والأبحاث 1–5 في أبحاث مؤتمر القدس المنعقد في جامعة القاهرة 21-23/3/ 1998 ج .ط. القاهرة 1998، القدس مدينة واحدة 2-عقائد ثلاث، تأليف كارني آرمسترونج ،ترجمة عربية ، ط. القاهرة 1998 ، الموجز في تاريخ فلسطين السياسي تأليف الياس شوفاني، ط. بيروت 1996، الفصل الثاني والثالث من الموسوعة الفلسطينية– القسم الثاني ج2 ص2. 1- 107، 6 ص797- 800، الموسوعة الفلسطينية.
2- القدس الخالدة في الوثائق المصرية القديمة والأكدية، والكتاب المقدس للأستاذ الدكتور عبد الحميد أحمد زايد في بحوث مصادر تاريخ القدس ج1 ص56-58. مدينة القدس في النصوص المصرية القديمة خلال عصر الدولة الحديثة، للدكتورة فايزة محمود صقر، في الكتاب نفسه ج1 ص100–158، هذا وكانت هناك مدينة على الفرات في الجانب العراقي في عصر ماري كان اسمها "أورشومو".
3- معجم بلدان فلسطين لمحمد محمد شراب–ط. دمشق 1987، أنظر مادتي "يازور، وجزر"، وجزر الفرات في الجانب الآخر هي الآن "تل أبو شوشة"، ومن أجل بقية الأماكن، أنظر الموسوعة الفلسطينية–القسم الثاني ج2 ص99–102.
.The Ancient East, Vol, I PP 261 262 4-
5- المحيط في اللغة للصاحب ابن عباد،ج2-ط. بغداد 1978(مادة عفر).
6- الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية للدكتور سهيل زكار ج12 ص144-145، ج43 ص1259-1292.
7- بحوث مؤتمر مصادر تاريخ القدس ج1 ص170-173.
8- أنظر سورة يونس-الآية 87، وسورة يوسف الآيتان: 21، 99، وسورة الزخرف- الآية 51، وسورة البقرة، الآية 61.
9- مرفوض التأويل اليهودي أنّ كلمة فرعون هي تصحيف لكلمة "بارا–عون" أي صاحب البيت الكبير، وانظر أيضاً مادة "كميت" في كتابي "المعجم الموسوعي للديانات والعقائد والمذاهب والفرق والطوائف والنحل في العالم" ط. دمشق 1997.
10- تفسير الطبري–ط. دار الفكر، بيروت 1978 ج1 ص248.
11- من ذلك "التوراة جاءت من جزيرة العرب" لكمال صليبي، و"خفايا التوراة" له، و"حول أطروحات كمال صليبي" لفرج الله ديب، و"التوراة اليمانية أو الصنعانية" له، و"جغرافية التوراة" لزياد منى, و"جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة" لأحمد عيد, وأنظر أيضاً by How Nord Blum, Lomdon 1998 وقف عند خرائط وصور هذا الكتاب في مطلعه وما بين ص177-178، وهذا ما كان قد تبنّاه جيمس برتشرد حين أشرف قبل وفاته (عام 1996) على Concies Atlas of The BiblesanfranCisco 1997.
12- أناشيد البعل لحسني حداد وسليم مجاعص– ط. بيروت 1995 ص42.
13- The ancient near east, vol 1, pp 199-205, the third edition of the same book, Princeton 1969, pp 307-308. Ancient Records of Assyria and Babylonia, by James Breasted, Chicago, 1926, vol 2, pp 119-121,143.
14- Rewriting The Bibl,pp / 56- 172.
القدس في التاريخ تأليف د. سهيل زكار ج1 ط. بيروت 2002 ص45-55.
15- The emergence of yehud in the Persian Period, pp 222-246, 263-264, 283-294.
16- الموسوعة الفلسطينية –القسم العام– الطبعة الأولى 1983، الجزء الثالث، مادة "قدس".
17- الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية لسهيل زكار ج42- ط. دمشق 2001 ص1015. الموسوعة الفلسطينية–المرجع نفسه، والمادة ذاتها.
18- الموسوعة الفلسطينية– المرجع نفسه، مادة "قادس+قادسية".
19- معجم البلدان– مادة قادس+قادسية.
20- الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية ج39 ص102–107.
21- معجم بلدان فلسطين لمحمد شراب-ط. دمشق 1987، مادة "مجدو". هرودوت يتحدّث عن مصر للدكتور محمد صقر خفاجة والدكتور أحمد بدوي– ط. القاهرة 1987 ص293 Herodotues, the histories, London 1965,p166 Herodotues, Ibd, pp 214-215.
22- معجم البلدان: مادة هجر.
23- سورة البقرة: الآية 102.
24- سورة القصص الآية: 38.
25- سورة غافر الآيتان: 23 و24.
26- ساغي (هنري) جبروت آشور الذي كان، ترجمة عربية دمشق 1995 ص382–432.
27- لسان العرب– مادة السبغ.
28- Ancient Records of Assyria and Babylonia, vol 2, pp 130-208.

المصدر:
د. سهيل زكار / المؤرخ والأستاذ الجامعي بكلية الآداب– جامعة دمشق.
مؤسسة فلسطين للثقافة

ليست هناك تعليقات: