بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-04-11

دراسة للكيان الصهيوني عن تنامي الهجرة العكسية.

دراسة للكيان الصهيوني عن تنامي الهجرة العكسية.

تُصدر دائرة الإحصاء المركزية للكيان الصهيوني في الأيام المقبلة، تقريرها السنوي بشأن عدد سكان إسرائيل والهجرة اليهودية إليها. وبغض النظر عن تلك المعطيات التي لن تكون خلافا لوتيرة التكاثر السنوية القائمة في العقد الأخير، فإن الغائب التقليدي عنها هو المعطيات الصحيحة بشأن الهجرة العكسية التي عادت لتكون مصدر قلق لمعاهد التخطيط الاستراتيجي، خاصة على ضوء تراجع الهجرة إلى الكيان الصهيوني.

وعادة ما نشعر بحالة من الضبابية تفرضها المؤسسة الرسمية على معطيات الهجرة العكسية، بعد أن كانت تتحدث عنها بوضوح أكثر في سنوات خلت. ولكن هذا الموضوع عاد إلى السطح بسبب تكاثر أعداد الذين "يغادرون الكيان الصهيوني لفترات طويلة"، كتسمية تورية للهجرة، وفي المقابل ظهور شريحة كبير من أبناء المهاجرين قد يكونون مسجلين في السجلات الإسرائيلية ولكنهم لم يزوروا الكيان الصهيوني أبدا، وتتخوف المؤسسة الحاكمة من انقطاعهم الكلي مستقبلا.

وحسب معطيات العام الماضي، فقد تجاوز عدد اليهود في الكيان الصهيوني 6 ملايين نسمة بقليل، من بينهم زهاء 200 ألف إلى 300 ألف لا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم، ويُسجلون بدون ديانة. ولكن حسب التقديرات التي نجمعها من عدة تقارير تصدرها عدة جهات رسمية وأخرى مرتبطة بالحركة الصهيونية، فإن عدد الذين بحوزتهم جنسية إسرائيلية ومقيمين بشكل دائم في الخارج، يتراوح ما بين 720 ألفا كأدنى حد، ومليون نسمة كأقصى تقدير، رغم أن العدد الأكثر تداولا هو 800 ألف.

وإذا اعتمدنا التقديرات التي تفيد أن من بين هؤلاء ما بين 40 ألفا إلى 50 ألفا من فلسطينيي 48، فإن الحديث يجري عما بين 680 ألفا إلى 900 ألف يهودي متواجدين بشكل دائم في الخارج. وحسب تقديرات الكيان الصهيوني، فإن غالبية هؤلاء الساحقة جدا لا يفكرون في العودة إلى الكيان الصهيوني.

* البقاء في الخارج
وتُعرّف دائرة الإحصاء المركزية الشخص المهاجر من الكيان الصهيوني، بأنه من خرج لمدة عام على الأقل، وقبل تلك الفترة كان في الكيان الصهيوني على الأقل لمدة 90 يوما بشكل متواصل، كي لا يتم دمج من جاؤوا لزيارات قصيرة.وحسب التقديرات الرسمية وشبه الرسمية، للسنوات العشر الأخيرة، يغادر الكيان الصهيوني سنوياً لأمد طويل، مع نية البقاء في الخارج، ما بين 17 ألفا إلى 22 ألف شخص، ويعود بالمعدل سنويا بعد غياب طويل حوالي 50 % من عدد المهاجرين. وهذه وتيرة تثبتها سلسلة من التقارير.

ولا يُلزم القانون الإسرائيلي القائم من هاجر إلى الخارج وبدون أن يعود إطلاقا، بالتنازل عن جنسيته، سوى أنه بعد ستة أشهر، يكون خارج استحقاق المخصصات الاجتماعية إن كان يستحقها، وخارج التأمين الطبي، إلا إذا اهتم بدفع الرسوم بشكل دائم. وهذا القانون ليس صدفة، لأنه بعكس ذلك في الحالة القائمة، فإن ما بين 11 % إلى 14 % من اليهود المسجلين في السجل السكاني الإسرائيلي سيخرجون منه، وبالتالي سيختل الميزان الديمغرافي الذي تسعى له المؤسسة الإسرائيلية والوكالة اليهودية- الصهيونية في مواجهة فلسطينيي 48.

وحسب المعطيات الإسرائيلية الرسمية، فبعد إخراج فلسطينيي القدس المحتلة وهضبة الجولان المحتلة من تلك المعطيات، فإن نسبة فلسطينيي 48 بدأت تلامس نسبة 18 %؛ إذ عادت هذه النسبة لترتفع في السنوات الست الأخيرة، بعد أن شهدت خلال 15 عاما حالة تراجع ومن ثم جمود، على ضوء الهجرة اليهودية الضخمة، خاصة من دول الاتحاد السوفيتي السابق.

ونذكر أن التقرير الإسرائيلي الرسمي يتحدث عن نسبة 20.5 % من العرب، ولكن هذا بعد ضم فلسطينيي القدس وسوريي الجولان. وأمام هذه الحالة، فإن إخراج المهاجرين من إسرائيل من السجل السكاني سيرفع نسبة فلسطينيي 48 بشكل أكثر، وهنا يختل الميزان الديمغرافي الذي تريده إسرائيل، بأن لا تنخفض نسبة اليهود عن80 % في إسرائيل.ولكن هذا ليس كل القلق بالنسبة لإسرائيل.

وفي الآونة الأخيرة، صدر بحثان عما يسمى "معهد سياسة الشعب اليهودي"، وهو معهد تابع للوكالة اليهودية-الصهيونية، ويعتبر من أهم المعاهد الصهيونية في هذه المرحلة، إن لم يكن أهمها، ويتولى فيه المستشار السابق للرئيس الأميركي أوباما دينس روس، منصب رئيس مشارك، بعد أن كان يتولى قبل سنوات رئاسة المجلس الإداري للمعهد.

ويعالج البحث الأول ما تعتبره الصهيونية "مشكلة" الجيل الثاني للمهاجرين من إسرائيل، وبأن لديهم بوادر اغتراب كلي عن المشروع الصهيوني: دولة إسرائيل. فيما يعالج البحث الثاني مطلب منح حق التصويت لليهود المهاجرين من إسرائيل، من أجل لجم قوة فلسطينيي 48 المتنامية، كما جاء بشكل واضح في حيثيات البحث.

* تفكك الدولة
فشل مخططات إعادتهم إحدى أكثر فترات القلق من الهجرة العكسية من إسرائيل، التي سبقت هذه المرحلة، كانت في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، حينما كانت معدلات الهجرة في حضيض شديد، وكانت إسرائيل بين حرب على لبنان استمرت لسنوات، وانتفاضة الحجر الباسلة.

إذ إن الهجرة الطفيفة في حينه، وتدني معدلات الولادة بين اليهود، أفسحت المجال أمام ارتفاع نسبة فلسطينيي 48 بوتيرة أكبر. ثم جاء "حبل الخلاص" بالنسبة للصهيونية، ببدء عملية تفكك الاتحاد السوفيتي، وبدء أكبر موجة هجرة شهدتها إسرائيل، واستمرت بوتيرة عالية لنحو 13 عاما، من العام 1990 إلى العام 2002، تدفق خلالها أكثر من مليون ومائة ألف مهاجر.

بينما في السنوات العشر الأخيرة وصل أقل من 240 ألف مهاجر، وعاد من كل هؤلاء مجتمعين على مر العقدين قرابة 150 ألفا إلى أوطانهم بعد أن صُدموا بواقع إسرائيل، ولم ينجحوا في التأقلم فيها.

وبفعل تدفق الهجرة الضخمة، فقد تراجعت نسبة فلسطينيي 48 من مجمل السكان. ومع تراجع الهجرة بشكل حاد نسبيا من العام 2003 إلى العام 2006، حصل جمود في تلك النسبة.

لكن مع تراجع الهجرة أكثر في السنوات الأخيرة، إلى معدل يتراوح ما بين 13 ألفا إلى 16 ألفا سنويا، عادت لترتفع نسبة فلسطينيي 48، وهذا ما جعل المؤسسة الرسمية، ومن فوقها المؤسسة الصهيونية، تعيد حساباتها.

ويعود تراجع هجرة أبناء الديانة اليهودية من أوطانهم إلى إسرائيل، إلى حقيقة أن نحو 90 % من اليهود في العالم يعيشون في دول ذات مستوى معيشي وفرص حياة وتطور أعلى من إسرائيل، وفق ما تقر به التقارير الإسرائيلية والصهيونية، مثل تقارير "معهد سياسة الشعب اليهودي".

لا نسمع في السنوات الأخيرة تعابير هلع صادرة عن قادة إسرائيل والصهيونية، ولكن مبادراتهم وأفعالهم تعكس الخوف الداخلي لديهم على مستقبل إسرائيل، وهذه المرّة ليس من باب نسبة تكاثر العرب، التي جرى أيضا لجم ارتفاعها نسبيا بفعل تطور المجتمعات، وهي تبقى أعلى من نسبة تكاثر اليهود.

وإنما أيضا لأن التكاثر الأساسي في المجتمع اليهودي يأتي بالذات من جمهور الأصوليين المتشددين دينيا، ثم جمهور الليبراليين دينيا والمتشددين سياسيا، وهذا موضوع آخر، طرحناه من قبل وسنعالجه أكثر لاحقا.

وهذا الخوف لمسناه خلال حكومة إيهود أولمرت التي طرحت خلال ولايتها مشروعين لاستقدام المهاجرين إلى إسرائيل، مع مغريات مالية تستمر لسنوات. إلا أن الخطتين فشلتا في تحقيق أهدافهما، كما أن الخطة الثالثة التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو فشلت هي أيضا، ولهذا فإن وتيرة الهجرة العكسية مستمرة. كذلك، كانت هناك خطة وأكثر لاستعادة أصحاب رأسمال كبار هاجروا من إسرائيل، من خلال عرض مغريات ضريبية ضخمة تستمر لعشر سنوات.

* التسجيل كالسكان
القلق الإسرائيلي، كما ذكر هنا، لم يعد ينحصر في الهجرة ذاتها؛ فهؤلاء مسجلون في سجلات إسرائيل كسكان، وإنما بسبب تنامي شريحة الجيل الثاني، أي أبناء المهاجرين الذين ولدوا في الخارج، أو هاجروا من إسرائيل مع عائلاتهم حينما كانوا أطفالا ولم يعودوا طيلة تلك الفترة إلى إسرائيل ولا حتى لزيارة.

فالغالبية الكبيرة من هؤلاء الأبناء هم أيضا مسجلون في سجلات إسرائيل السكانية، ولكن ارتباطهم وشعورهم بالانتماء متدن، ما يعني أن الجيل الذي سيأتي من بعدهم خلال سنوات قليلة سيكون منقطعا بشكل شبه كلي عن إسرائيل والصهيونية. ويضاف إلى هذا عدم شعور قسم كبير من هؤلاء بالانتماء للمجتمعات اليهودية في أوطانها المختلفة.

ويقول تقرير لمعهد "سياسة الشعب اليهودي" إن نسبة "الإسرائيليين" الذين ولدوا في الخارج لوالدين مهاجرين من إسرائيل، من بين مجمل الإسرائيليين في الخارج، ارتفعت من 45 % في سنوات الثمانينيات إلى 70 % في سنوات الألفين الأخيرة، إذ إن الغالبية الساحقة من حملة الجنسية الإسرائيلية الذين ينجبون في الخارج يهتمون بتسجيل أبنائهم في السفارات في الخارج، ولكن ليسوا كلهم من يفعل ذلك، وهذا يعني مئات الآلاف.

ويقول التقرير ذاته، إن الغالبية الساحقة جدا من هؤلاء الأبناء لم يعايشوا البيئة الإسرائيلية، ما يعني خلق شريحة مسجلة في السجلات الإسرائيلية كسكان، بعيدة كليا عن إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي، وتواجه عمليا الاندماج الكلي في مجتمعات الأوطان التي تعيش فيها.

ويدعو التقرير الحكومة الإسرائيلية ومؤسسات الوكالة اليهودية إلى التركز على هذه الشريحة من المهاجرين، خاصة في ضوء حقيقة أن نسبة تصل إلى النصف وأكثر لا تندمج في أي من المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والاجتماعية اليهودية في أوطانها في الخارج.

ومن توصيات التقرير، صرف موارد للانتشار بين أبناء المهاجرين لدفعهم للاندماج في المؤسسات اليهودية كمرحلة أولى، ومقدمة للتفكير مستقبلا في العودة إلى إسرائيل. القلق من التوازنات السياسية مع تنامي نسبة فلسطينيي 48 من جديد، وهذا أساسا، وبدرجة شبه موازية أيضا التنامي الحاد في نسبة الأصوليين اليهود (الحريديم)، فقد طُرحت من جديد في السنوات الثلاث الأخيرة فكرة منح حق التصويت للمهاجرين من إسرائيل، حيث أماكن تواجدهم. وهذا النظام قائم في أكثر من 40 دولة في العالم، لكن طرحه في إسرائيل له أسباب أيديولوجية، ويواجه معارضة أيديولوجية.

* معدلات النمو
وقد ظهر هذا الطلب مرارا في السنوات الماضية، ولكن بشكل خاص في العقدين الأخيرين، لاسيما في أعقاب تشكيل حكومة إسحق رابين في العام 1992، والتي استندت أساسا لدعم غير مطلق من الخارج، من كتلتين تمثلان جمهور فلسطينيي 48، وكان الدعم مشروطا، وتحقق فيه الكثير نسبيا، على المستويين الداخلي والخارجي.

وهذا موضوع آخر وتجربة سياسية لمرة واحدة، فقد كان التخوف من أن يتحول فلسطينيو 48 إلى بيضة القبان بين معسكرات الحكم الإسرائيلي، ولكن هذه الفرضية بددتها الهجرة الضخمة. ولاحقا، وخاصة بعد أن تبين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أن نصف مليون من ذوي حق الاقتراع ( 10% من ذوي حق الاقتراع) هم مهاجرون ومتواجدون خارج إسرائيل، ظهر هذا المطلب من جديد، وهذه المرّة على لسان العنصري المتطرف أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا".

ودوافع ليبرمان ليست فقط عداؤه الشرس للعرب، وتخوفه من ارتفاع نسب المتدينين، بل أيضا بشكل كبير، لأن نحو 130 ألفا من المهاجرين السابقين إلى إسرائيل من دول الاتحاد السوفييتي عادوا إلى أوطانهم وفي جيوبهم الجنسية الإسرائيلية. ويعتقد ليبرمان أن قانونا يسمح لهم بالتصويت للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية سيصب في صالحه على الأغلب، لأنه يظهر كممثل لجمهور المهاجرين من المنطقة في العالم.

ولكن على الرغم من "مغريات" هذا الاقتراح لفرض أغلبية واضحة لليهود، وبشكل خاص اليهود العلمانيين في الكنيست الإسرائيلي، إلا أنه يواجه اعتراضا كبيرا في داخل الحركة الصهيونية، وحتى من قوى يمينية أيديولوجية، ترى في سن قانون كهذا تشجيعا لفكرة الهجرة من إسرائيل وحتى شرعنتها.

تقلب معدلات النمو كي نضع الأمور في مسارها الواقعي، فإنه رغم القلق من الهجرة العكسية، وتدني معدلات الهجرة اليهودية، إلا أن الحديث لا يجري عن انقلاب درامي في التركيبة السكانية في إسرائيل، وإحداث قفزة كبيرة في نسبة سكان فلسطينيي 48. فبفعل تطور المجتمع، فإن نسب التكاثر لدى فلسطينيي 48 تسجل تراجعا، رغم أنها ما تزال أكبر من نسبتها بين اليهود (2.6 % مقابل 1.7 %).

وفي المقابل، فإن نسبة تكاثر اليهود ترتفع بشكل طفيف في السنوات الأخيرة بفعل معدلات الولادة الهائلة جدا بين الأصوليين اليهود، الذين تصل نسبة التكاثر لديهم إلى 3.1 % سنويا، واليهود المتدينين "الليبراليين" 2.5 %، مقابل نسبة تكاثر 1.1 % لدى اليهود العلمانيين.ولهذا ليس صدفة أن دوافع القلق الإسرائيلي والصهيوني من نسب النمو السكاني انتقلت في السنوات الأخيرة من فلسطينيي 48 إلى جمهور المتدينين، وهذا ما بيّنه بشكل واضح بحث صادر عن جامعة حيفا قبل أقل من عامين.

المصدر: الأستاذ برهوم جرايسي - 29 سبتمبر, 2012

ليست هناك تعليقات: