بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-05-24

فلسطين عبر التاريخ، انتفاضة من البراق إلى الأقصى، انتفاضة الحجارة، 1987م -5-


نتابع: فلسطين عبر التاريخ، انتفاضة من البراق إلى الأقصى، انتفاضة الحجارة، 1987م

سمات ومظاهر الإنتفاضة
لقد اتسمت الانتفاضة الشعبية الفلسطينية العارمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ اندلاعها في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 1987، بالشمولية والاستمرارية وترسيخها لحقيقة بارزة مفادها أن جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والجليل والمثلث والنقب بدت أكثر من أي وقت مضى موحدة في مواجهة الاحتلال ورفضه، ملتزمة بموقف سياسي موحد قاعدته وحدة المصير، وأهدافه تحقيق الاستقلال الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كل مكان وجوده.

أهمية ومغزى الانتفاضة:
خلقت الانتفاضة ظروفاً موضوعية جعلت القيادة الفلسطينية تبحث إمكانية تشكيل حكومة فلسطينية مؤقتة في المنفى مع ما يعنيه ذلك من دلالات مهمة على ان الانتفاضة مهدت الأساس المتين لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وأكدت الانتفاضة أن م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب في كل أماكن تواجده بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948 وقد بدا ذلك واضحاً من خلال الشعارات التي انطلقت منها الانتفاضة، كما أكدت في الوقت نفسه ان أي حل يجب وبالضرورة ان يمر عبر بوابة الشرعية الفلسطينية.
واعادت الانتفاضة الفلسطينية الأولوية الدولية وضرورة ايجاد حل لها، واصبحت على رأس النزاعات الاقليمية في العالم وكذلك اضافت عناوين جديدة الى الملفات الدولية وعلى رأسها ان مسألة حقوق الانسان تعني بالضرورة حقه بكيان مستقل ووطن خالٍ من قوات احتلالية تصوب النار باتجاه اطفاله. وعلى الصعيد الفلسطيني عبرت الانتفاضة عن فهم عميق لمتطلبات المرحلة النضالية الحالية، فامتنع آلاف العمال الفلسطينيين في المصانع الاسرائيلية من الذهاب الى اعمالهم مما ترك اثره المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي المنهار أساساً كما ان الدعوة الى العصيان المدني والاضراب الشامل ومقاطعة البضائع والمنتجات الإسرائيلية تعبر عن اساليب فلسطينية جديدة في مسار النضال الوطني لتحقيق الاستقلال وذلك من خلال مقاومة العدو بكافة الوسائل المتاحة لجعل احتلاله مكلفاً من جميع النواحي الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى صعيد الرأي العام العالمي.
وأكدت الانتفاضة وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، بانضمام فلسطيني الأراضي المحتلة عام 1948 الى اشقائهم في الاراضي المحتلة منذ عام 1967 جسد قوة وجذور الهوية الفلسطينية العربية الاسلامية، وجسد الوعي الوطني الفلسطيني الذي عززته الاتصالات ما بين الفلسطينيين في كل المناطق الفلسطينية المحتلة.

المشاركة:
لقد كان العمل النضالي الجماهيري قبل الانتفاضة في طور التشكيل لأنه بطابعه العام تضامني مع مسيرة الثورة في الخارج وامتداد جماهيري له، وفي نفس الوقت حمل في أحشائه بذور التجدد والتطور وما ينسجم مع خصوصية الأرض المحتلة ومن خلال العمل والمواجهة حمل على مستوى الوعي، شمولية في التفكير وفقاً لحجم الفعل الاحتلالي الذي طال كافة جوانب حياة السكان. وتجذر ذلك في بؤر ومحطات رئيسية احتضنه وشكلته وأهمها: المعتقلات والجامعات والمخيمات الفلسطينية بعد تجربة البلديات عام 1976م والتي مثلت لها لجنة التوجيه الوطني المرشد للنضال الجماهيري، لعبت الحركة الطلابية الدور الريادي في الصراع مع الاحتلال، فنزل قطاع الشبيبة إلى الشارع لمقاومة ومصارعة الاحتلال مباشرة، فقطاع الشبيبة الطلابية في المؤسسات التعليمية لعب دوراً بارزاً في تسيير المعادلة لصالح الصدام المستمر مع الاحتلال ورغم مشاركة بعض فئات المجتمع في الأنشطة الوطنية إلا أنها بقيت جزئية عارضة مؤقتة نسبية بمعنى أنها لا تحدث جوهر التراكم بل تدعم شكله وبقيت القاعدة اللوجستية التي تتكفل بتحمل النتائج - الأب، الأم، الاخوة، الأخوات، الجيران، الحي، البلدة، الجمعية، المؤسسة، المستشفى. ومثلت حاضنة للفعل وتقبلته وتفاعلت معه مما أدى لانتشار البؤر وتأثيراتها، وما حدث بالانتفاضة هو أن المساهمة والمشاركة في النضال انتشرت أفقياً وعمودياً، حتى أن قوة المجتمع أصبحت في المشاركة وفي كل الأنشطة والفعاليات الحياتية الأخرى واحدة ومثل هذا مظهراً جديداً للنضال الجماهيري.
إن حجم المشاركة وأشكالها من نضالات وتضحيات وتكافل ..الخ، هي واحدة من أهم المميزات الحاصلة بفعل الانتفاضة والتي لا يوجد لها مثيل طيلة 40 عاماً من النضال فالتقى أكثر من أربعة أجيال خلف المتاريس في مواجهة الرصاص والغاز الخانق .

العلاقات الاجتماعية:
كان بالانتفاضة مظاهر عديدة وملموسة منها في ميدان العلاقات الاجتماعية والعلاقات بالمعنى الواسع للكلمة .وبالرغم مما أحدثه الاحتلال من تغييرات جوهرية على البنية الاجتماعية الفلسطينية وتكسيره لنسق تطورها إلا أن المجتمع الفلسطيني الذي تميز بالحيوية والقدرة على تكييف أوضاعه وهذه تمايز بها وبتفوق على الشارع الاحتلالي نفسه، وأفرز شكلاً غير حاد الفواصل متمايز إلى حد ما داخلياً ومتلاحم ضد الأخر "الخصم " من المراتب الاجتماعية وهنا يصعب القول بوجود تشكيلات طبقية فلسطينية، بالمعنى السوسيولوجي الدقيق بحكم الظروف التي أوجدها الاحتلال ولذا يمكن القول أنه ما من أحد في التراتب الاجتماعي إلا ووقع عليه تأثير الاحتلال. في الجانب الآخر لقد أعطت الانتفاضة مضموناً جديداً وفعالاً لشكل العلاقات الأسرية والعائلية الضيقة باتجاه أكثر عمومية وشمولية وطنية فقد انفتحت الأسرة على محيطها أكثر بالمعنى الضيق والواسع.
كما أن الشعور الجماعي بالاستهداف عزز الترابط العضوي واللحمة بين وحدات البنية الاجتماعية الفلسطينية وفي إطار ذلك توجد صياغة متطورة بحاجة لبلورة على صعيد العلاقات داخل الأسرة نفسها "الأخ مع أخته والأب مع أبنائه وزوجته" وعلى قاعدة الفعل النضالي بأن يقوم الزوجان مثلاً بتأنيب أبناءهما إذا لم يشاركوا في المظاهرات باستخدام كلمة عيب أو بضربهم.
إن جسم العائلة والعشيرة وهي تنظيم عنيد في المجتمع وظف لصالح الموقف الوطني وعلى حساب رابطة الدم، ,هذا الشكل الحي والمنظور يعد تحولاً نوعياً كبيراً " مثلاً أسرة تتخلى عن أحد أفرادها العملاء وتهدر دمه وتشارك في إعدامه أو كبير عشيرة يأمر أحد أبناءها الالتزام بالمراسيم التي حررتها الانتفاضة للزواج والمهر علما بأن شكلها القديم كان يعبر عن مكانه العشيرة . وهذا ينطبق أيضاً على العلاقات التي يحددها قرب أو بعد المسافة للرجل والمرأة من تحصيل الدخل او الارتباط بالعامل الاقتصادي سيما في فترات لا تتوفر بها فرص عمل وتوقف العمال عن العمل في مصانع الاحتلال داخل فلسطين المحتلة عام 48 وفي فترات الحصار الطويل ودور التكامل الاجتماعي والاقتصادي في التعويض عن ذلك.
لقد كان للحراك النضالي المتصاعد الذي أحدثته الانتفاضة بمشاركة شاملة لمختلف الشرائح أثراً في تجاوز الفوارق الشكلية اجتماعياً وسياسياً أيضاً على صعيد الفصائل والقوى لصالح صيغة أكثر لحمة وائتلافاً وتقارباً وعضوية فعند محاصرة قرية ..تهب القرى المجاورة لدعمها بكل ما تملك وبالذات نضالياً وغذائياً ويقوم التجار وأصحاب العقارات وبالالتزام بتخفيف إجارات العقارات وعدم استغلالهم للأوضاع لرفع الأسعار والتزامهم بالبرنامج الذي تقره القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. وفي هذا الإطار أعطت الانتفاضة للروابط والمشاريع الدينية بعداً وطنياً فاعلاً وداعماً للانتفاضة فعلى مستوى الشعب نلاحظ أن المقدسات الإسلامية والمسيحية وضرورة تحريرها قد لعبت دوراً في تعزيز مشاركتها بالنضال،. بحيث لعبت المساجد والكنائس دوراً بارزاً في النضال المستمر ضد الاحتلال وشكلت منابر تعبوية للجماهير، فبناء على توجيهات القيادة الموحدة تذهب الجماهير إلى الجوامع والكنائس أيام الجمع والأحاد كي تتحول الصلوات إلى مظاهرات حاشدة ضد الاحتلال، هذا الدور الذي أعطته الانتفاضة لها قد عزز من ذوبان الفوارق الشكلية بين كافة الانتماءات الأيديولوجية والسياسية والمذهبية ودعم تنامي العلاقات المبنية على أسس وطنية واضحة كفاحية تخدم حشد كافة الإمكانيات والطاقات في وجه الاحتلال تحت راية الشعب راية فلسطين، راية منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

الشكل التنظيمي:
إن من أبرز المميزات والخصائص التي تلاحظ في الانتفاضة بل وربما في كل التجربة الفلسطينية ككل هي إعادة إنتاج المنهجية التنظيمية بطريقة تعدت المألوف من تطبيقتها العملية لتأخذ طابعاً عضوياً وسلوكياً يتفصل على مستوى نشاط الفرد والجماعة مع متطلبات التضحية المتصاعدة لحركة الشعب مما أهلها لإحداث تحولات وتغيرات في العلاقات والبنى والمفاهيم والأذهان، ولم تعد مقتصرة على بؤر نخبوية، بل أخذت طابعاً عمومياً شمل كافة مجالات المجتمع أفقياً وعمودياً وقد كان هذا الإسهام للانتفاضة قد ولد تاريخياً وتصاعد بوتائر تطورية لطبيعة الفعل والحدث داخل الأرض المحتلة وبما ينسجم مع وعي الشعب لطبيعة الاحتلال الإسرائيلي وأهدافه التدميرية لمجتمعه وأرضه وإنسانه مثل:

المعتقلات:
التي أوجدت دوافع تاريخية في المجتمع الفلسطيني ولعبت دوراً بارزاً في تجسيد هذه الخصوصية وعلى رأسها المعتقلات التي بناها الاحتلال بهدف قتل الإنسان الفلسطيني وقيمه النضالية وتحويله إلى كم مهمل أوتحييده أو تخريجه بائساً محبطاً مفسداً لمجتمعه. وهذا النموذج من الإنسان الفلسطيني الذي حاول الاحتلال خلقه قد تحطم وفشل على صخرة معاناة المعتقلين وجلدهم وإصرارهم على مواصلة المسيرة وعناق الشمس رغماً عن ظلام أقبية السجون حيث كان شعارهم الأساسي " نجوع نجوع ولا نركع" ومواجهة الايديولوجية المحتلة وتجسيداتها وضد الخبر الضيقة للصراع الملئ بأساليب وأشكال القتل النفسي والمادي والفري والجماعي وانتزع المعتقلون مطالبهم من فم الاحتلال.
ورغماً عن القيد والسلاسل، وتحولت المعتقلات بالفعل لمدارس ثورية حقيقية، المجتمع مصغر مقاتل، منظم بدقة وبتربية تنظيمية ووفقاً لمنهجية علمية شاملة مادية وفكرية، فمئات الآلاف من الأسرى قد شكلوا رسلاً لهذا المنهج في القرب والمخيمات والمدن والأحياء، فتفاعلت هذه التجربة الغنية مع كل المجتمع جغرافيا وديمغرافيا، مما شكل القاعدة في الوعي المتطور التي لعبت دوراً بارزاً في إنضاج الطابع العمومي لفعاليات الانتفاضة، حتى أن الوعي الجماعي قد تمفصل مع هذه التجربة متحولاً من شكله الحماسي إلى وعي مؤطر ومنظم قادر على تجديد نفسه في أطر وهياكل تتبع المنهجية التنظيمية المتسعة دوماً على حساب التلقائية والعفوية والعشوائية وهذا يساعد بقوة في تصليب ميكانيزمات حركة المجتمع النضالية وجذرها لتندعم بإمتداداتها المتكاملة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية السياسية والنفسية فعمل هذا القادر على تصليب عود الحركة الوطنية ورفدها بالتجربة التي عملت على الوصول للمزيد من الجماهيري وتفجير طاقاتها ومبادرتها اللامحدودة.

الجامعات:
لعبت الجامعات الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة الدور البارز في تشكيل صيغ المواجهة والنضال الجماهيري الأكثر عمومية وتنظيمية وانضباطاً، فهي الحاضنات المقاومة التي مكنت الأسرى من إعادة انتاج تجربتهم في أوساط شعبهم فتصدرت الحركة الطلابية داخل الأرض المحتلة المسيرة النضالية بعد تجربة البلديات عام 76م، حتى أن خريجيها الذين استطاعت المؤسسات استيعابهم قد لعبوا دوراً في تصليب عود الوطنية الاجتماعية الاقتصادية والإعلامية ولعبوا دوراً بارزاً في نقل وترجمة التجربة الجامعية النضالية لفعل شعبي مؤطرعلى مستوى مواقع سكناهم يداً بيد مع المعتقلين والكادر المتنافي في موقع سكناه . وهذا ساهم بفعالية في جسر
الهوة التي تحول دون دخول فكرة الثورة ومقارعة الاحتلال لكل أسرة وبيت، وكل ذلك في سياق تعبوي مستمر وبتفاعل جاد عمل على اختصار فكره السرية في العمل النضالي المؤهلة للاقتراب من الشعب وليس فقط في إطار النخبة، كل ذلك دفع الاحتلال لإغلاق كل المؤسسات التعليمية في الأرض المحتلة.

المخيمات:
أما المخيمات الفلسطينية في الضفة والقطاع كانت القلاع والمحطات الأوسع التي جاء تفاعلها مع هذه المضامين أسرع من بقية المواقع السكانية الأخرى فجباليا وبلاطة أصبحا رمزين واضحين لمسيرة المخيمات الفلسطينية التي اتبعت المنهجية الثورية التنظيمية على مستوى الشعب وظروف المخيمات التي تحياها تساعد في هذا الانضاج، مما أهلها لحمل سمات الانتفاضة حتى قبل بدءها، فالفقر والاكتظاظ السكاني والحيز الضيق الذي يحوى عشرات الآلاف من السكان في ظروف معيشية صعبة للغاية على كافة الأصعدة قد أهلتها بتوفير مقومات الثورة المنظمة للتمرد دوماً على الواقع الاحتلال، فجاءت المخيمات ممثلة الإطار الشعبي الأوسع الذي احتضن هذه المنهجية وطورها حتى أن الاحتلال أقدم على بناء سور عال على حدود كل مخيم بالإضافة للأسلاك الشائكة وإغلاق كافة مداخلها بالجدران الأسمنتية العالية لفصلها عن المحيط الخارجي. وقد شكلت الأطر التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي دخلت كل هذه المستويات المذكورة أنفاً، سواء بسرية او بعلانية أم بكلتيهما، البنى التي اختمرت بها التجربة القائدة الموجهة والمرشدة والتي انتشرت تجربتها وهياكلها لتصبح شعبيتها أكثر عمومية وشمولاً مسلحة بتوجيهات القيادة الموحدة للانتفاضة فتجربة النخبة التقت مع تراكم في المحيط من وعي ونضالات وتجارب وإبداعات فحدث التكامل وفقاً لرؤية التعليم والتعلم، وما تعبير الشبيبة داخل الأرض المحتلة الا لإطار لأوسع الذي تفاعل مع كل هذه المستويات واقتحم كل السدود مما دفع وزير دفاع الاحتلال لحظرها واعتبرها عضوية للثورة يحاكم صاحبها عليها علماً بأنها إطار جماهيري نقابي.

بهذا المعنى شملت الخبرة العملية والمعرفة النظرية الفرد والجماعة وأخذت طابعاً شعبياً لم ينحصر في النخبة بل أصبحت وعياً جماعياً من دور الضمير الجماعي للشعب الموجه والمنظم من قيادته، مما أنتج النموذج الملاحظ للانتفاضة، فلقاء تجربة النخبة مع تشكلها في الوعي الجماعي المرتبط بمسيرة الثورة بكل سماتها قد أعطى الانتفاضة سمات أساسية أهلتها للاستمرار واقتحام كل مستويات الحياة المجتمعية وبهذا المعنى أيضا تجاوزت تنظيمية الانتفاضة تجسيداتها في التجربة العربية سواء أكانت إجرائية أو وظيفية أم إدارية لتصبح سلوكية فردية وجماعية شملت أصغر جزئيات حياة الشعب لأعم شموليتها وتماشت مع الواقع المتجدد للانتفاضة، مما أدى إلى بلورة مظاهر واعية لهذا السلوك وخلقت تقاليد وقيم نضالية وكانت وراء إبداعات ومبادرات جماهيرية في المواجهة والتضامن وساهمت هذه العملية التربوية المقاومة في خلق مستوى من الالتزام والانضباط الفردي والجماعي بحيث شكلا معاً حراساً وحماه للقيم والإنجازات، مما أبرز سلوك الانضباط كمؤشر يومي على مدى الالتزام بالقرار الجماعي، فعندما أقدم جيش الاحتلال على كسر أبواب المحلات التجارية محاولاً كسر برنامج القيادة الوطنية الموحدة وبقيت هذه المحلات مفتوحة لم يتم تسجيل حادثة سرقة واحدة بل جاء التاجر ووجد محله مغلقاً وبه مفتاح وقفل جديدين "حتى أن الاحتلال نفسه قد أصبح أسيراً وواقعاً في مجال استراتيجية الانتفاضة وهذا ملاحظ من برامجه لتحديد كثافة جيشه واعداده أثناء فتح المحال التجارية وإغلاقها.

سمات أساسية:
إن المستويات الثلاث في الانتفاضة المشاركة، العلاقات الاجتماعية، الشكل التنظيمي والتطور النوعي الذي اتسمت به كل منها بشكل تاريخي مع تطور الانتفاضة والتأثيرات التي خلقتها وتخلقها عبر عملية التفاعل اليومي في المجتمع الفلسطيني وعبر هذه المنهجية في التعاطي رشح الانتفاضة لأن تصوغ سماتها الأساسية التي أهلتها في ذات الوقت للاستمرارية وأهم هذه السمات هي:

الشمولية الأفقية والعمودية:

فالانتفاضة هي ثورة الشعب كل الشعب، بكل فئاته وقواه واصبحت التمايزات النكرية والسياسية ثانوية أمام مواجهة الاحتلال، ويكفي أن يسير المواطن في غزة أو الضفة حتى ينهال عليه جنود الاحتلال بالضرب المبرح وقد يعتقل ويتم تكسير أطرافه بدون أي تهمة أو استفسار عن هويته ويكفي أن ينام الفلسطيني في بيته حيث يأتي الجيش الاسرائيلي ليلاً ويعتقله من البلد حتى لو لن يشارك بشئ من فعاليات الانتفاضة وبنفس المستوى تشارك كل شرائح الشعب وتعم هذه المشاركة كل القرى والمخيمات والمدن والأحياء وتقف معاً بطريقة تضامنية تربك الاحتلال وتضعف بذلك الضغط عن المواقع الأكثر سخونة والمحاصرة، فالجميع يعزف لحن الحرية على أنغام الحجر والمولوتوف والمقاليع والعصي وسط ازيز الرصاص والغاز السام والطائرات وحرق البشر وهم أحياء كما فعل الاحتلال وفي هذا الاطار يجب التأكيد على الدور البطولي الذي قامت به جماهير الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 48 والتي كان لها مردود قوي على معنويات الشعب بكامله وزادت اللحمة الفلسطينية الهوية والأرض والممثل والهدف.

نمطية جديدة من الوحدة:
جسدت هذه السمة نمطية جديدة متطورة من الوحدة الوطنية، ليست وحدة برامجية رمادية أو وحدة قيادات أو فصائل بل هي وحدة كل الشعب في ميدان المعركة والمواجهة، فجاءت هذه الوحدة ليست سياسية متطوعة الجذور بل سياسية مدعمة بمشاركة وعلاقات وتفاعل منسجم متكامل اجتماعيا واقتصاديا ومعنويا ونفسيا وهي بذلك انسجمت مع مستوى الوحدة القائمة في وعي الشعب لظروفه وواقعه ومتطلبات تغيره "وعي الشعب وفعله" فإذا كان الاحتلال قد اغلق كل المؤسسات التي تقدم خدمات للشعب بالرغم من قلة عددها وضيق حيز تفاعلها وتركزها في مناطق دون أخرى، إلا ان الضمير الجمعي للشعب قد ولد سلوكاً ومعيار شاملاً عوضاً عن ذلك، مما أفشل الحصار التجويعي الذي فرضه الاحتلال على الانتفاضة وبالرغم من عزل الانتفاضة اعلامياً عن محيطها والعالم وبالرغم من استمرار الاحتلال في بطشه وجبروته أستطاعت العديد من المناطق أن تعلن عن نفسها كمناطق فلسطينية محررة تمارس بها سلطة الشعب وتحت الراية الفلسطينية، ويتم بها حل كافة أجهزة الادارة المدنية وتشكيل أجهزة بديلة وطنية تمارس السلطة وتشرف على كل المجريات الحياتية لهذا الموقع النضالي وقد لعبت اللجان الشعبية الدور القائد في كل موقع بتوجيه من القيادة الوطنية الموحدة مما أدى لتصليب عود هذه اللجان بحيث أوكلت إليها ق.و.م. كقيادة وسلطة في موقعها مهمة رسم برنامج نضالها اليومي وأصبحت تحدد لها الأسس العاملة للتحرك وأيام الاضراب الشامل كما جاء في نداء الانتفاضة رقم 26 على سبيل المثال: وعدا عن ما تقدمه م.ت.ف. على الصعيد الاقتصادي نلاحظ أن هذه الوحدة قد شكلت الاطار الذي يضم بداخله كل اشكال التضامن والتكافل النضالي والغذائي.

سرية وجماعية القيادة:
إن المنهجية التنظيمية قد أنتجت قيادة للانتفاضة هي امتداد سياسي وذراع كفاحي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتمنعت بمواصفات منسجمة مع هذه المنهجية فهي ذات وعي متقدم سياسياً واجتماعياً وتتمتع بمعرفة دقيقة بطبيعة عدوها ومسلحة بخبرة واسعة في مقارعته وقد جاءت نتاجاً للمؤسسة التنظيمية فهي لم تسقط على الشعب من أعلى بل إن رصيدها الكفاحي ووعيها والتزامها واستعدادها للتضحية هو الذي أهلها لهذه المسئولية وليس لأصولها العائلية أو العشائرية أو بالوراثة فالقيادة بذلك هي شديدة الاقتراب والعضوية والتماس والتعبير عن الوعي الجماعي واستطاعت أن تسير بتجربة هائلة حملتها أجيال متعاقبة بتواصل حضاري قائم على فهم الوحدة والتناقض بين هذه الأجيال فحمت أجهزتها وعززت علاقتها العضوية بالشعب وبقي ولاءها للوطن والثورة والالية التنظيمية للوصول للأهداف فلم تعمل لشخصها او تحاول خلق ولاءات ذاتية تتعارض مع هياكل الانتفاضة، فسريتها ومنهجها عاملان حددا حتميه نجاحها في التعليم من الشعب وتوجيهه وارشاده وبالتالي لم ترتبط المسيرة بشخصها فرداً أو جماعة بل عملت الهياكل على حماية نفسها في حال تعرضها للخطر أو الضرب أي مستوى قيادي بها فهي متجددة بالولاء للفعل وحملت قسماته المنهجية المنظمة في الفكر والأسلوب والممارسة وهذا ترك المجال رحباً امام مبادرات الجماهير ومن جوانب قدره هذه القيادة التي قامت بالتقاط الصور اليومية المتجددة وبلورتها ورقدها بأس للحركة مما دفعها نحو المزيد من العمومية والشعبية بفعل متبادل مضبوط والتزام جماهيري خلاق جدير بالدراسة والتقدير مقومات التجدد.
امتلكت الانتفاضة مقومات تجديد نفسها سواء على مستوى القرار أو على مستوى المشاركة الجماهيرية والبعد التضامني المعزز بوعي الواقع أمام المعاناة الجماعية والمصير والهدف الواحد مما لعب دوراً في تجديد سخونة الواقع فسقوط شهيد يعني افراط المزيد من الشعب في المعركة وتصاعد في سخونة أي منطقة تعيش فترة هدوء نسبي استراحة مقاتل وهذا زاد من مأزق الاحتلال فإذا شدد القبضة الحديدية تعززت الانتفاضة شعبياً وتصاعدت حدتها وإذا خف بطشه تتعزز السلطة الشعبية فوجود الاحتلال حالياً هو مبرر دائم ويومي للاستمرارية.
هذه أهم السمات التي حملتها الانتفاضة والتي تحمل في ثناياها العديد من السمات الجزئية التي أهلتها للتنامي والاستمرارية حتى حققت أهدافها

المصدر: كتاب فلسطين الثورة، أحداث 13 شهادة سوسيولوجية في الانتفاضة
يتبع

ليست هناك تعليقات: