بحث هذه المدونة الإلكترونية

2014-04-10

الدول والشعوب والديانات ... في التاريخ الفلسطيني حتى بدايات القرن العشرين 1

الدول والشعوب والديانات ... في التاريخ الفلسطيني حتى بدايات القرن العشرين 1

كثيرة هي المياه التي جرت في نهر التاريخ الفلسطيني، وكثر المقيمون والعابرون على جلد هذا البلد الذي لم يهدأ لحظة خلال التاريخ القديم أو الحديث، فكانت التفاعلات في المنطقة تنعكس عليه مباشرة، كما كان هو بدوره يعكس نفسه على تفاعلات الأحداث.

دول وشعوب خلقت مذاهب واعتنقت ديانات وأفرزت طوائف، بعضها بقي ليؤسس دعامات حضارة بقيت آثارها إلى اليوم، وبعضها مر دون أن يترك أثراً. منهم من كان يتخذ من فلسطين مركزاً، ومنهم من كانت فلسطين بالنسبة إليه بوابة حماية أو بوابة توسع، لكن في جميع الحالات بقيت هذه المنطقة من العالم القديم والحديث مركزًا يتطلع إليه الفاتحون والباحثون عن الألق في التاريخ.

هذا الملف يتألف من قسمين. يتعرض الأول للدول والشعوب، فيما يتناول الثاني الطوائف والمذاهب والديانات التي مرت على التاريخ الفلسطيني، كمحاولة قد يستطيع المهتمون البناء عليها.

الجزء الأول

الدول والشعوب

1ـ العصور القديمة:

العصر الحجري القديم:

وهو يمتد من نصف مليون سنة قبل الميلاد إلى 14,000 سنة قبل الميلاد، وقد عثر الباحثون على مخلفات العصرين الأبيفيلي والأشولي في عدد من كهوف الكرمل وشمال بحيرة طبريا، كما وجدت هياكل عظمية في جبل المكبر وشمال غرب بحيرة طبريا ترجع إلى جنس بشري يعرف بالنياندرتال الذي يعدّ أهم حلقات تطور الجنس البشري.

العصر الحجري الوسيط ويمتد من 14,000 سنة ق.م إلى 8000 سنة ق.م:

الحضارة في فلسطين خلال هذا العصر يطلق عليها الحضارة النطوفية، نسبة إلى مغائر النطوف شمال القدس. وقد تم العثور على شواهد تشير إلى ظهور مجموعة بشرية جديدة يبدو أنها أسست لحضارة فلسطينية محلية تركزت على الساحل الفلسطيني.

عاش النطوفيون في المغائر والكهوف في جبال الكرمل وتلال القدس والخليل وأريحا وقرب بحيرة الحولة، واعتمدوا في معيشتهم على الصيد وجمع الثمار.

ترك النطوفيون بقايا أدوات صوانية مسننة كالمناجل والأجران والمطارق الحجرية والقطع الصوانية مختلفة الأحجام، إذ عثر في أحد كهوف الكرمل على ما يزيد عن 4000 قطعة من هذا النوع، كما عثر على عظام غزلان وعظام كلاب. ويستدل الباحثون من هذه اللقى على أن النطوفيين كانوا قد عرفوا الاستقرار في تلك المنطقة.

وكشفت أثريات عين المالحة عن بيوت حجرية وأماكن لتخزين الغذاء، كما دلت الاكتشافات على أن النطوفيين كانوا يدفنون موتاهم تحت الأماكن السكنية، وقد عثر على قلائد وحلي مرتبة على شكل حلقات حول رأس الميت. وعثر في عدد من القبورعلى صبغة حمراء مصنوعة من أكاسيد الحديد. وعرف النطوفيون التجارة وكانت لهم اتجاهات فنية خاصة بدليل التماثيل الرملية التي عثر عليها في مغارة الزويتيني والمجسمات المنحوتة من عظم الغزال في وادي فلاح، فضلاً عن رؤوس السهام الصوانية في أريحا.

العصر الحجري الحديث 8000ق.م- 4500ق.م:

عثر على عدة بيوت سكنية تعود إلى هذا العصر في عين المالحة ولكن لم يعثر على دلائل تقود إلى اكتشاف الزراعة في ذلك الوقت. ويعتبر الباحثون أريحا من أهم مناطق الشرق القديم التي تمثل فترة الانتقال من الصيد إلى الاستقرار، والدليل على ذلك البيوت المبنية بالطوب المجفف بالشمس التي تم اكتشافها في أريحا، والتي تعود إلى العصر ما قبل الفخاري. وقد بني حول المدينة سور بعد أن ازداد عدد سكانها إلى 2000 شخص، وكان السور مبنياً من الحجارة المتراصة عرضه 1.82م وضم برجاً دائرياً وخزان للمياه ومخزن للحبوب ولا يزال البرج قائماً إلى اليوم وارتفاعه 9.14م. وقد تبين من الدراسات التي أجريت على بعض المواد المتفحمة أن هذا الانجاز المعماري يعود إلى 7000ق.م. أي قبل الأهرامات بأربعة آلاف عام. ودلّت الحفريات على أن الفخار ظهر لأول مرة في فلسطين في حوالي 6000ق.م، واستخدم النحاس منذ سنة 4500ق.م، ويطلق على الحضارة التي بدأت باستعمال النحاس اسم الحضارة الغسولية نسبة إلى تليلات الغسول شمال البحر الميت. وامتازت أدوات هذا العصر بدقة التصنيع والبدء بصقل وتلوين الفخار، وقد اشتهر بهذه الصناعات سكان تل أبو مطر(المطريون). ويعدّ موقع تمنة قرب المناعية من أقدم مراكز تعدين النحاس. واكتشفت عدة مواقع تعود للعصر نفسه تقع بين جبال الخليل والبحر الميت، كما اكتشف فخار يعود إلى هذا العصر في الخضيرة وعثر فيه على أواني تحتوي على عظام موتى.

العصر البرونزي: 3200-1200ق.م:

يبدأ هذا العصر بظهور مدافن رأسية تنسب إلى جماعات قضت على حضارة العصر الحجري النحاسي. وتلت مرحلة المدافن الرأسية مرحلة ظهور مدن محصنة أقيمت على هضاب مرتفعة ذات موقع دفاعي، وانتشرت هذه المدن في الشمال والوسط حيث المياه وطرق التجارة. ومن أهم هذه المواقع تل القدح وخربة الكرك قرب طبريا وبيسان والعفولة وتل تعنك وتل المتسلم (مجدو) في مرج ابن عامر ورأس الناقورة وأريحا القديمة وتل الفارعة وتل النصبة وتل الدوير وتل عراد وتل بيت مرسيم ومواقع أخرى كثيرة.

سميت تلك الفترة بعصر دويلات المدن بعد أن زاد عدد سكان فلسطين وأصبح للمدن قوة سياسية واقتصادية. بعد ذلك دخلت فلسطين في العصر البرونزي الوسيط الذي امتاز بوفرة المصادر المكتوبة التي تذكره.

في النصف الأول من الألف الثاني ق.م تولى الهكسوس (ملوك الرعاة الأجانب) السلطة في مصر لمدة 200 سنة وسيطروا على سورية وفلسطين. وبعد انتهاء حكم الهكسوس أواسط القرن السادس عشر ق.م وقعت سوريا وفلسطين تحت الحكم المصري المطلق. وتدلي وثائق تل العمارنة بمعلومات تفصيلية عن تلك الفترة وما تخللها من عنف وبطش وتدمير أصاب عددا من المدن الفلسطينية.

العصر الحديدي: 1200ق.م – 330ق.م: في القرنين 13 و12ق.م شهدت فلسطين وسورية والأردن تأسيس عدد من الممالك، كما استقبلت عددا من الهجرات أبرزها هجرة الشعب الفلسطيني الذي جاء إلى جنوب كنعان تدريجياً. واستطاع الفلسطينيون بناء قوة سياسية وتأسيس عدد من المدن على الساحل أهمها عسقلان ومنهم جاءت تسمية فلسطين التي أصبحت تطلق على الأرض الفلسطينية المعروفة اليوم منذ القرن السادس قبل الميلاد.

امتزج الفلسطينيون بالكنعانيين بسرعة واستعملوا لغتهم وعبدوا آلهتهم (داجون وبعل وعشتار)، وسيطروا على صناعة وتجارة الحديد ومنه استمدوا قوتهم العسكرية. وأسس الفلسطينيون في القرن الثاني عشر قبل الميلاد خمس مدن رئيسة هي غزة وجات وأسدود وعسقلان وأكرون وكانت كل مدينة دويلة مستقلة بذاتها، ومع ذلك كثيرا ما تحالفت هذه المدن لصد العدوان الخارجي، لكنهم اضطروا في عهد الملك تغلات فلاسر الثالث (القرن 8ق.م) إلى دفع الجزية للآشوريين وذلك حتى دخول الاسكندر المقدوني وتبعية المنطقة من بعده للرومان.

2ـ سدوم وعمورة:

سدوم تعني إحراق، ذكرت لأول مرة في التوراة كوصف لحدود أرض كنعان. وبسبب خصوبة أراضيها اختارها لوط مسكناً له، وقد غزاها الملك كدر لعومر مع حلفائه وأخذوا منها السبايا والغنائم إلا أن إبراهيم تصدى لهم وتغلب عليهم واسترد منهم السبايا والغنائم.

يعتقد علماء الآثار أن سدوم تقع تحت لسان البحر الميت. إذا أنها، وحسب الكتب المقدسة خربت لفساد أهلها، فصارت مضرباً للمثل في الخطيئة والشر، وتنسب إليها السدومية، أي الشذوذ الجنسي الذي انتشر بين قوم لوط الذين نزلوا سدوم التي أحرقتها نار السماء فلم ينج منهما غير لوط وابنتيه.

عمورة معناها الغرق، وهي بلدة تقع في غور الأردن اقترن أسمها بسدوم، وكانت أيضاً مسكناً للوط وقومه. وقد أغرقت المدينتان بماء البحر كما جاء في الأثر.

3ـ العموريون:

العموريون شعب سامي عربي هاجر من شبه الجزيرة العربية في وقت مبكر إلى بادية الشام وقد أطلق عليهم هذا الاسم سكان العراق الذين أشاروا إلى جهة الغرب بكلمة "أمورو" ومن ثم أصبحت الكلمة تدل على سكان المناطق الغربية بالنسبة إلى العراق. وقد ورد ذكر العموريين في المدونات العراقية في الألف الثالث قبل الميلاد، وهناك دلائل تشير إلى ازدياد عددهم واشتداد خطرهم على بلاد بابل في الألف الثالث قبل الميلاد، منها أن الملك شوسين، ملك أور، أقام في حصن ليحمي البلاد من هجماتهم، وكان العموريون في نظر سكان العراق أقواماً بدوية غير مستقرة تتصف بخشونة الطبع، وقد وصفته أسطورة سومرية:

"إن السلاح رفيقه ولا يثني الركبة (لا يخضع).

يأكل اللحم نيئاً

ولا يمتلك بيتاً طوال حياته

ولا يدفن في قبر بعد موته"

لكن تاريخ العموريين في العراق أهم من تاريخهم في الشام، وقد وصفتهم التوراة بأنهم قوم جبابرة، ودارت بينهم وبين الإسرائيليين معارك شديدة انتهت لصالح الإسرائيليين بعد أن هزموا ملكهم سيحون هزيمة نكراء.

4ـ العرب قبل الإسلام في فلسطين:

يرجع تاريخ وجود العرب في فلسطين إلى الألف الأول قبل الميلاد، وهناك ما يدل على حرب الملك البابلي لهم في فلسطين في الألف الثالث ق.م.

وقد كانت فلسطين ضمن ما عرف بالعرب الحجرية والتي وقعت تحت سيطرة الرومان، وقد قسمت فلسطين إلى ثلاثة أجزاء؛ هي فلسطين الأولى والثانية والثالثة وكانت كل منها عبارة عن مدينة مركزية تتبعها بقية المنطقة المحيطة.

خلال الألف الأول قبل الميلاد تنافس السبأيون والمعينيون على السيادة على الواحات التي تمر بها طرق التجارة، وقد غلبت قبيلة غسان على بلاد الشام كلها فملكها الروم على العرب الموجودين في الشام، وهكذا ارتبطت القبائل العربية بمخططات السياسة الرومانية الفارسية، فقد دفع الرومان إتاوة سنوية لقبيلة ثمود مقابل اعترافها بسلطان الروم.

ظهر الأنباط شرق البحر الميت في القرن السادس ق.م، وقد تدرجوا من الرعي إلى الزراعة، ثم إلى التجارة فاتسعت مملكتهم لتشمل جنوب وشرق فلسطين وسواحل البحر الأحمر وصولاً إلى دمشق.

أدت الخلافات والصراعات الناتجة عن سياسات بيزنطة وفارس إلى تفتت الكيانات العربية. وبحلول القرن السابع الميلادي كانت أوضاع العرب في بلاد الشام متدهورة ومهيأة للفتح الإسلامي.

ازداد التدفق العربي خلال القرن الثالث الميلادي وكثرت القبائل التي جاءت إلى الشام مثل بني كلب الذين ورثوا مجد الغساسنة، وقبائل أخرى استوطنت الرملة وطبريا.

5ـ الخابيرو:

ظهرت اللفظة في وثائق تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وكان الخابيرو يثيرون الفزع في فلسطين إبان عصر العمارنة، الى الحد الذي دفع عبد خيبا، ملك القدس الى مكاتبة أخناتون قائلا: "إن الخابيرو يدمرون كل بلاد الملك، وانصاعت بلاد الملك للخابيرو".

مازالت هناك مشكلة في تحديد هوية الخابيرو، لكن ما عرف عنهم يؤكد أنهم كانوا ينزعون إلى تحقيق مكاسب مادية عن طريق النهب والسلب وشن الغارات على المجتمعات المستقرة. وفي حال عدم توفر ظرف للسلب والنهب كانوا يتحولون إلى مرتزقة. وقد يتحولون إلى عمال أو عبيد إذا دفعهم الظرف إلى ذلك. وهذا ما دفع الكثير من المؤرخين إلى اعتبارهم طبقة وليس شعباً يشبهون ما عرف بظاهرة الصعاليك في العصر الجاهلي.

6ـ كنعان:

أطلق اسم كنعان على المنطقة الواقعة بين نهر العاصي شمالاً والعريش جنوباً. وهي حدود المملكة المصرية القديمة، وضمت المنطقة فلسطين وفينيقية.

ثمة نقاش حول أصل الكنعانيين يصل حدّ الاختلاف. هل كانوا أقواما تسللوا بين العموريين، أم أنهم العموريون أنفسهم. ويشير أنصار الرأي الأول أن هذا التسلل تم في القرن 21ق.م فيما عرف بحملة الأطواق. مع هذا وذاك فإن الكنعانيين ساميون دون أدنى شك.

أذعنت كنعان للحكم المصري لترافقه مع استقرار أحوالهم، وذلك بعد أن شن تحتمس الثالث 16 حملة على أرض كنعان حتى تمكن من الاستيلاء عليها، ودامت هذه الحال حتى مجيء امنمحتب الرابع أو أخناتون الذي اهتم بالإصلاح الديني دون السياسي، فاستغل الحثيون والعموريون هذا الظرف فاحتلوا المنطقة ودمروها. لكن الفراعنة تمكنوا من طردهم خلال حكم الأسرة 19 في أواخر القرن 14ق.م.

في أوائل القرن 12ق.م هاجمت أقوام إيجية مصر وأرض كنعان من الجنوب والشمال واستوطنت جنوب فلسطين واندمجت بالكنعانيين فنشأ بذلك الفينيقيون. كما سيطر الفلسطيون على المناطق الجنوبية واستمروا يحكمونها حتى مجيء الملك داوود.

أهم المدن الكنعانية كانت جبيل في لبنان ومجدو في فلسطين، أما مجدو فكانت محصنة بسور ذي بوابة مؤلفة من ثلاثة أبواب يلي بعضها البعض، أقيم في داخله معبد وقصر. وكان الكنعانيون يدفنون موتاهم في قبور منحوتة في الصخر.

تميز العصر الكنعاني بصناعة الخزف الذي كان غاية في الجمال، وابتكروا طلاءه باللون الأحمر وصقلوه. وصنعوا تماثيل لجنود بأسلحة وصاغوا آلاف الأشكال من مواد مختلفة ابتداء بالذهب وانتهاء بالحجارة.

في العصر البرونزي المتأخر تضاءلت المدن وتراجع الفن نتيجة الضرائب التي كانت تفرضها مصر على كنعان.

ونتيجة لازدهار التجارة ظهرت الكتابة الأبجدية، وقد استعمل الكنعانيون خمسة أشكال من الكتابة، الهيروغليفية والمسمارية والكتابة الأبجدية والكتابة الجبيلية وكتابة رأس شمرا.


يتبع

ليست هناك تعليقات: